تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٣٧ - ٤٢٥٩ ـ عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف أبو الوليد الأموي
رسلكما ، أليس ما كان في الإسلام خيرا مما كان في الجاهلية؟ قالا : بلى ، قال : فملكي خير من ملككم ، قال : ثم مشيا معه حتى أتى منزله ، فدخل وأذن لهما ، فقال لهما : إنّ الشاعر يقول :
| جاءت لتصرعني فقلت لها ارفقي | وعلى الرفيق من الرفيق ذمام |
وقد صحبتماني من حيث رأيتما ، ولكما بذلك عليّ حقّ وذمام ، فإن أحببتما أن ترفعا ما كانت لكم من حاجة الساعة ، وإن أحببتما أن تنصرفا ، فتذاكرا على مهلكما فعلتما ، قالا :
ننصرف يا أمير المؤمنين ، قال : فما رفعنا إليه حاجة إلّا قضاها.
أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم ، أنا رشأ بن نظيف ، أنا أبو محمّد المصري ، أنا أحمد بن مروان ، نا ابن قتيبة ، نا عبد الرّحمن ، عن الأصمعي ، عن أبي الزّناد ، قال :
قال عبد الملك بن مروان : ما يسرني أن أحدا من العرب ولدني إلّا عروة بن الورد لقوله [١] :
| إنّي امرؤ عافي [٢] إنائي شركة | وأنت أمرؤ عافي [٣] أنائك [٤] واحد | |
| أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى | بجسمي مسّ الحقّ [٥] والحقّ جاهد | |
| أقسّم جسمي في جسوم كثيرة | وأحسو قراح الماء والماء بارد |
يريد أنه يقسم قوته على أضيافه ، يعني أراد مكانه قسم قوته على أضيافه ، فكأنه قسم جسمه ، لأن اللحم الذي كان ينبته ذلك الطعام صيّره لغيره ، ويحسو ماء القراح في الشتاء ووقت الجدب والضيق ، لأنه يؤثر باللبن أضيافه ، ويجوّع نفسه حتى نحل جسمه ، وهذا شعر شريف المعاني والألفاظ.
وقال آخر في مثله :
| إذا ما عملت الزاد فالتمسي له | أكيلا فإنّي غير آكله وحدي | |
| بعيدا قضيا أو قريبا فإنّني | أخاف مذ مات الأحاديث من بعدي | |
| وكيف يشبع المرء زادا وجاره | خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد |
[١] الأبيات في ديوان عروة بن الورد ط بيروت ص ٢٩.
[٢] الأصل وم : عاف.
[٣] الأصل وم : عاف.
[٤] الأصل وم : أناوك ، والمثبت عن الديوان.
[٥] الديوان : بوجهي شحوب الحق.