رحلة العبدري - أبو عبدالله العبدري - الصفحة ٩٤ - * ذكر قسنطينة
قسنطينة [١] ، جبر الله صدعها ، وكفاها من نوائب الدّهر ما واصل قرعها ؛ وهي مدينة عجيبة حصينة ، غير أنّها لخطوب الدّهر مستكينة ؛ قد ذبلت ببوارح الغير ، وفوادح الضّرر رياضها ، ونضبت بسهائم الآفات ، وعظائم الملمّات حياضها ، حتّى صارت كالحسناء لبست أسمالا ، والكريم فقد مالا ، والبطل أثخنته الجراحة حتّى لم يطق احتمالا ؛ فهي تري الحوادث لمحا باصرا [٢] ، وتنادي بلسان الحال : «ذلّ لو أجد ناصرا» [٣] [الخفيف]
| من رأيت المنون خلّدن أم من | ذا لديه من أن يضام خفير [٤] |
وبها للأوائل آثار عجيبة ، ومبان متقنة الوضع غريبة ، وأكثرها من حجر منحوت ، يعجز الوصف إتقانه ويفوت ؛ وقد دار بها واد شديد الوعر ، بعيد القعر ، أحاط بها كما يحيط السّوار بالمعصم ، ومنعها [٥] كما يمنع النّيق [٦] الأعصم [٧] ؛ ولكن سهام الدّهر لا تقيها الجنن [٨] ، ولا تمنع منها القنن [٩] ؛ وريب المنون وصرف الزّمن ، قد أعيت الحيلة فيها من ومن.
[١] قسنطينة ، مدينة كبيرة من مشاهير بلاد إفريقية ، بناها الرومان على جبل شاهق. انظر وصف إفريقية : ٢ / ٥٥ ـ ٥٦.
[٢] إشارة إلى المثل : لأرينك لمحا باصرا. وهو في الميداني ٢ / ١٧٧.
[٣] المثل في : أمثال الضبي : ١١٨ ، وأمثال أبي عبيد ٢٦٨ ، والمستقصى : ٢ / ٨٦ ، والميداني : ١ / ٢٨٠.
[٤] البيت لعديّ بن زيد في ديوانه : ٨٧ ، وروايته فيه : من ذا عليه.
[٥] في ت وط : ومنعاها.
[٦] في الأصل وط : النّوق ، والنيق أرفع موضع بالجبل.
[٧] الأعصم : الوعل.
[٨] الجنن : جمع جنّة : الدّرع.
[٩] القنن : أعالي الجبال.