رحلة العبدري - أبو عبدالله العبدري - الصفحة ٤٨٨ - * تونس في العودة
منهما أنواع المتالف ، لا ترى بها زعيم محبر ، ولا فارس دفتر ، قد خرس بها لسان الطّلب ، وعاد لفريق الجهل على فئة العلم الغلب ، فامّحقت بها آثار كلّ فضيلة ، وصيّرها الجهل معرّسه ومقيله ؛ تلاشت قواها فلم يبق بها إلّا رمق ، وكساها الزّمان ثوب الهوان فامّحى رونقها وامّحق ؛ لا تمدّ في الأمن ساعة من الدّهر باعا ؛ ولا تمير فتشبع أهلا جياعا ؛ وجامعها المليح قد علا عليه الشّحوب ، وأبلى حسنه وقائع الخطوب. نازلته وليس له يدان بالدّفاع ؛ فاستكان وأطرق إطراق الشّجاع [١] ، وما عصم من ريب الزّمان فريق ؛ ولا أعصم معتصم [٢] بذروة نيق ، وبالله الاستعانة والتّوفيق.
ثم وصلنا [٣] إلى منزل أبي نصر ، وهي بليدة مسوّرة عامرة غاصّة بالخلق ولكنّها في حكم البادية إذ ليس بها من معاني الحضارة شيء ، وبها سوق كبيرة يكثر إليها الجلب لكثرة العربان هنالك.
ثمّ خطرنا على مدينة الحمّامات ، وهي مدينة صغيرة مبيّضة السّور ، وليس بها ما يذكر لفنائها ، وقلّة عمارتها ، وهي على البحر ، ولم أدخلها لقلّة تشوّفي [٤] إليها ، وما ذكر لي من الضّعف عنها.
[تونس في العودة]
ثمّ وصلنا إلى [٥] مدينة تونس ـ حرسها الله ـ وهي كما مرّ ذكرها ، واستقرّ عند المؤالف والمخالف شكرها. وهي مؤنسة عند اسمها ، ومسعفة
[١] هذا مثل مأخوذ من قول المتلمس :
| وأطرق إطراق الشجاع ، ولو رأى | مسافا لنابيه الشجاع لصمّما |
انظر الميداني ١ / ٤٣١.
[٢] في ط : اعتصم.
[٣] ليست في ط.
[٤] في ت : تشوّقي.
[٥] ليست في ط.