رحلة ابن خلدون - محمّد بن تاويت الطنجي - الصفحة ١٥٤ - رحلته إلى الأندلس
فراع ، وواصل الإسراع ، فكأنّما هو تمساح النّيل ضايق الأحباب في البرهة ، واختطف لهم من الشّط نزهة العين وعين النّزهة ؛ ولجّج [١] بها والعيون تنظر ، والغمر [٢] عن الاتباع يحظر ، فلم يقدر إلا على الأسف ، والتماح الأثر المنتسف ، [٣] (والرجوع بملء العيبة من الخيبة ، ووقر الجسرة [٤] من الحسرة) ؛ إنّما نشكو إلى الله البث والحزن ، ونستمطر من عبراتنا المزن ، [٥] وبسيف الرّجاء نصول ، وإذا أشرعت لليأس أسنّة ونصول :
ما أقدر الله أن يدني على شحط [٦] من داره الحزن [٧] ممّن داره صول [٨] فإن كان كلم [٩] الفراق رغيبا ، [١٠] لما نويت مغيبا ، وجللت الوقت الهني تشغيبا ، [١١] فلعلّ الملتقى يكون قريبا ، وحديثه يروى صحيحا غريبا. إيه سيدي! كيف حال تلك الشمائل ، المزهرة الخمائل ، والشّيم ، الهامية الدّيم؟ هل يمرّ ببالها من راعت بالبعد باله ، وأخمدت بعاصف البين ذباله ، أو ترثي لشؤون شأنها سكب
[١] لججت السفينة : خاصت اللجة.
[٢] الغمر : الماء الكثير.
[٣] المنتسف : المستأصل.
[٤] الجسرة : الناقة.
[٥] المزن : السحاب.
[٦] الشحط : البعد.
[٧] يريد حزن بني يربوع ، وهو قرب «فيد» في جهة الكوفة : من أجل مرابع العرب. ورد ذكره كثيرا في شعرهم. وانظر ياقوت ٣ / ٢٧٠ معجم البكري ٢ / ٤٤١.
[٨] صول (بضم الصاد) : مدينة في بلاد الخزر في نواحي باب الأبواب ، وهو الدربند. والبيت الذي ذكره ابن الخطيب لجندح المري في جملة أبيات أوردها ياقوت ٥ / ٥٩٩.
[٩] الكلم : الجرح.
[١٠] رغيبا : مرغوبا فيه.
[١١] التشغيب : تهييج الشر.