رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٨٨ - فصل في شرف الصنائع
أسطرلاب يساوي مائة درهم، فإن تلك القيمة ليست للهيولى و لكن لتلك الصّورة التي جعلت فيها. و أما الذهب و الفضّة اللذان هما الهيولى الموضوع في صناعة الصوّاغين أو الضّرّابين، إذا ضرب منهما دراهم و دنانير أو صياغة ما، فليس مبلغ تفاوت القيمة ما بين الموضوع و المصنوع مثل ما يبلغ في صناعة أسطرلاب و غيرها. و أما التي شرفها من جهة النفع منها للعموم فهي مثل صناعة الحمّامين و السمّادين[١] و الكنّاسين و غيرهم، و ذلك أن الحمّام المنفعة منه للصغير و الكبير و الشريف و الوضيع و المدني و الغريب و القريب و البعيد كلّهم بالسوية لا يتفاضلون في الانتفاع به.
و أما أكثر الصنائع فأهلها متفاوتون في منافعها كاختلافهم في الملبوسات و المأكولات و المشروبات و المسكونات و أمثالها من الأمتعة المصنوعة، حال الغنيّ فيها خلاف حال الفقير، إلّا الحمّام و المزيّن و أمثالهما. و أما صناعة السمّادين و الزبّالين فإن الضرر في تركها عظيم عامّ على أهل المدينة، و ذلك أن العطّارين الذين الموضوع في صناعاتهم مضادّ للموضوع في صناعة السمّادين، لو أنهم أغلقوا دكاكينهم و أسواقهم شهرا واحدا لم يلحق من ذلك من الضّرر لأهل المدينة مثل ما يلحق من الضّرر من ترك السّمّادين صناعتهم أسبوعا واحدا، فإن المدينة تمتلئ من السماد و السّرقين[٢] و الجيف و القاذورات، و ما يتنغّص عيش أهلها من أجله.
و أما التي شرفها من الصناعة نفسها فهي مثل صناعة المشعبذين[٣] و المصورين و الموسيقيّين و أمثالهم، و ذلك أن الشّعبذة ليست شيئا سوى سرعة الحركة و إخفاء الأسباب التي يعملها الصّانع فيها؛ حتى انه مع ضحك السّفهاء منها،
[١] -السمادين: الذين ينظفون الشوارع و الأسواق من السماد، اي السرقين، برماد.
[٢] -السرقين: الرّبل.
[٣] -المشعبذين: المشعوذين، و صناعتهم تقوم على خفة اليد، و اعمال كالسحر، يرى الشيء بغير ما عليه اصله في رأي العين.