رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٤٩ - فصل في علة اختلاف تأثيرات الكواكب في الكائنات الفاسدات التي دون فلك القمر
فيكون اختلاف تلك التأثيرات منها في هذه الأشياء بحسب اختلاف جواهرها و تركيبها و مزاجها و قبولها، و إلّا فالاشراق واحد. و على هذا المثال اختلاف قبولها لتأثيرات سائر الكواكب في المواليد و تحاويل السنين.
و مثال آخر، إذا اتفق للفلك شكل محمود من سعادة أحوال الكواكب في وقت من أوقات الأزمان، و يولد في ذلك الوقت عدّة مواليد من أجناس الحيوانات و مواليد الناس، و لكن يكون بعضهم من أولاد الملوك و الرؤساء، و بعضهم من أولاد التّجار و الدهاقين[١] و أرباب النّعم، و بعضهم من أولاد الفقراء و المساكين و المكدّين[٢]، فلا يكون قبولهم لسعادة الفلك على سنن واحد، بل كلّ واحد منهم بحسب مرتبته، و ذلك ان أولاد المكدّين إذا حسنت أحوالهم من السعادة، فهو أن يبلغوا مرتبة أولاد التجار و أرباب النّعم و أوساط الناس، و إذا حسن أولاد التّجار، فهو ان يبلغوا مرتبة أولاد الملوك، و أولاد الملوك إذا قبلوا سعادة الفلك، ارتقوا و بلغوا سرير الملك و السّلطان، و إن نحسوا قصّر بهم عن ذلك؛ و كذلك كلّ واحد من أولئك الذين تقدّم ذكرهم ينحطّ من درجة إلى ما دونها في المرتبة.
و مثال آخر انه إذا اتفق عدّة مواليد في طالع واحد و وقت واحد في بلدان مختلفة، و شكل الفلك يدلّ على ان يكونوا شعراء خطباء، غير أن بعضهم في بلاد العرب، و بعضهم في بلاد النّبط، و بعضهم في بلاد الأرمن، فقبولهم يختلف لأن العربيّ أسرع قبولا لخاصّيّة بلده، و النّبطيّ دون ذلك، و الأرمنيّ دونه، و على هذا المثال و القياس تختلف تأثيرات الكواكب في الكائنات، و قد ذكرت علل ذلك في كتب الأحكام بشرح طويل، فاعرفه من هناك.
[١] -الدهاقين: التجار و زعماء فلاحي العجم، و رؤساء الاقاليم، واحدها دهقان.
[٢] -المكدين: المتسولين.