رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٩ - عصرهم؛ مذهبهم
في المغرب الأقصى، و العبيديون أو الفاطميون بالقيروان ثم بمصر، و القرامطة بالبحرين، و الدواعي بطبرستان ثم فيها من بعدهم الديلم و الأطروش؛ و انبسط سلطان البويهيين على فارس و العراق، و سلطان الحمدانيين على سورية الشمالية يضم إليه الجزيرة ما بين دجلة و الفرات، إلى العاصي في حماة و حمص. فخروج العلويين المتواصل مكّن لهم في كثير من الولايات فسيطروا و استقلوا حتى غلبوا العباسيين على أمرهم في بغداد، و صار الأمر لبني بويه. و رافقتهم في ثوراتهم و فتنهم الدعوات الباطنية تنتشر في الأمصار داعية للرضا من أبناء علي، أو مبشرة الناس بظهور المهدي ليطهر الأرض من الجور و الفساد، حتى باتت الخواطر على تنظّر دائم لرسول تبعثه السماء، و لخارجي مغامر يملك الأرض و يحتل مكان مالك آخر[١].
على أن هذه الحالة السياسية المضطربة، و إن جاءت منذرة بسوء المصير، لم تحل دون تقدم الفكر الإسلامي، فإن الأمراء المستقلين كانوا يتنافسون في تقريب العلماء و الأدباء، و يتعهدون دور التدريس بالبذل و العناية؛ و كانت العلوم الدخيلة قد انتشرت منذ صدر الدولة العباسية، و تداول الناس كتبها المنقولة يتدارسونها، و يشرحونها و يعلّقون عليها، حتى اختمرت بها العقول، فشرع المفكرون في التصنيف بدلا من النقل، فظهر الفلاسفة و العلماء المسلمون، و أصبحت الأفكار معدة لقبول المباحث الطبيعية و الغيبية تأنس بها و ترتاح إليها، و تجادل فيها موافقة أو معارضة، مؤمنة أو منكرة، فكانت التربة صالحة للزرع سياسيّا و فكريّا عند ما حمل إخوان الصفاء أنفسهم على تقويم العقول و تهذيب النفوس بآرائهم لاستثارتها عند الحاجة إليها. يحاولون توفيق الفلسفة اليونانية التقليدية و ظاهر الشريعة الإسلامية في تأويل الآيات و الأحاديث على ما يناسب عقائدهم. و يميلون في رسائلهم إلى العلوية ميلا ظاهرا، و يتكتمون في دعوتهم شأن الفرق الباطنية؛ و لكنهم لا يتعصبون لمذهب على
[١] -بطرس البستاني: أدباء العرب في الاعصر العباسية ص ٣٣٠.