رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٧٦ - الغرض من العلوم
و التّطرّق منها إلى علوم الطبيعيات؛ و أما غرضهم من النظر في الطبيعيات فهو الصّعود منها و الترقي إلى العلوم الإلهيّة الذي[١] هو أقصى غرض الحكماء، و النهاية التي إليها يرتقى بالمعارف الحقيقية. و لما كان أول درجة من النّظر في العلوم الإلهية هو معرفة جوهر النفس، و البحث عن مبدئها من أين كانت قبل تعلّقها بالجسد، و الفحص عن معادها إلى أين تكون بعد فراق الجسد الذي يسمّى الموت، و عن كيفيّة ثواب المحسنين كيف يكون في عالم الأرواح، و عن جزاء المسيئين كيف يكون في دار الآخرة؛ و خصلة أخرى أيضا، لما كان الإنسان مندوبا إلى معرفة ربّه، و لم يكن له طريق إلى معرفته إلّا بعد معرفة نفسه، كما قال اللّه تعالى: «و من يرغب عن ملّة إبراهيم إلّا من سفه نفسه» أي جهل النفس؛ و كما قيل: من عرف نفسه فقد عرف ربّه؛ و قد قيل أيضا: أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه؛ وجب على كلّ عاقل طلب علم النفس و معرفة جوهرها و تهذيبها، و قد قال اللّه تعالى: «وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها[٢]». و قال اللّه تعالى حكاية عن امرأة العزيز في قصّة يوسف، ٧: «إن النفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم ربّي».
و قال تعالى: «وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ. وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى». و قال تعالى: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها». و قال تعالى: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً». و قال تعالى: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها»؛ و آيات كثيرة في القرآن و دلالات على وجود النفس و على تصرّف حالاتها، و هي حجّة على الجرميّين[٣] المنكرين أمر النفس و وجدانها.
[١] -الذي: صفة للترقي.
[٢] -دسّاها: أخفاها بالمعصية، و أصله دسسها، ابدلت السين الثانية الفا تخفيفا.
[٣] -الجرميين: نسبة إلى الجرم، و هو الجسم، واحد الاجرام السماوية، أي النجوم، و المراد بهم الماديون.