رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٤٠٦ - فصل
و الزّرقة و الشّهلة و الفطسة و القنوة و ما شاكلها من الصّفات التي يمتاز بها بعضهم من بغض، فقالوا: كلّهم إنسان، و سمّوا الإنسان نوعا، لأنه جملة الأشخاص المتفقة في الصّور، المختلفة بالأعراض. ثم رأوا شخصا آخر مثل حمار زيد و أتان عمرو و جحش خالد، فعلموا أن الصّورة الحماريّة تشملها كلها، فسمّوها أيضا نوعا. ثم رأوا فرس زيد و حصان عمرو و مهر خالد، فعلموا أن صورة الفرسيّة تشملها كلها، فسمّوها أيضا نوعا. و على هذا القياس سائر أشخاص الحيوانات من الأنعام و السّباع و الطير و حيوان الماء و دوابّ البر كلّ جماعة منها تشملها صورة واحدة سمّوها نوعا. ثم تفكروا في جميعها، فعلموا أن الحياة تشملها كلّها، فسمّوها الحيوان، و لقّبوها الجنس الشامل لجماعات مختلفة الصّور و هي أنواع له. ثم نظروا إلى أشخاص أخر كالنبات و الشجر و أنواعها، فعلموا أن النموّ و الغذاء يشملها كلّها، فسمّوها النامي، فقالوا: هي جنس، و الحيوان و النبات نوعان له، ثم رأوا أشياء أخر مثل الحجر و الماء و النار و الهواء و الكواكب، و علموا بأنها كلّها أجسام، فسمّوها جنسا، و علموا بأن الجسم من حيث هو جسم، لا يتحرّك و لا يعقل و لا يحسّ و لا يعلم شيئا؛ ثم وجدوه متحرّكا منفعلا و مصنوعا فيه الأشكال و الصّور و النقوش و الأصباغ، فعلموا أن مع الجسم جوهرا آخر هو الفاعل في الأجسام هذه الأفعال و الآثار، فسمّوه روحانيا. ثم جمعوا هذه كلّها في لفظة واحدة و هي قولهم: جوهر، فصار الجوهر جنسا، و الروحانيّ و الجسمانيّ نوعان له؛ و الجسم جنس لما تحته من النامي و الجماد، و هما نوعان له؛ و النامي جنس لما تحته من الحيوان و النبات، و هما نوعان له؛ و الحيوان جنس لما تحته من الناس، و الطير التي هي سكان الهواء، و السابح التي هي سكان الماء، و المشّاء التي هي سكان البر، و الهوامّ التي هي سكان التّراب، و هي كلها أنواع الحيوان، و هو جنس لها.
فالإنسان نوع الأنواع، و الجوهر جنس الأجناس، و الجسم و النامي