رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٥ - فصل
قد فعلت بأبيكم آدم ما ذكرت، و لكن لم يعرف حقي و قدر نعمتي، و لم يحفظ وصيتي، و لم يوف بعهدي بل عصاني، فأخرجته منها، فلما تاب و أناب، وعدته أن أردّه إليها، و آليت على نفسي أن لا يدخلها أحد من ذرّيته إلّا من قبل وصيّتي و أوفى بعهدي، و لا ينال عهدي الظالمين، و لا يدخل جنتي المتكبرون، لأني جعلتها للذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا، و العاقبة للمتّقين. يا موسى، ادع لعبادي و ذكّرهم آلائي، فإنهم لا يذكرون مني إلّا كلّ خير سالفا و خالفا، عاجلا و آجلا. يا موسى، ويل لمن تفوته جنتي، و يا حسرة عليه و ندامة، حين لا ينفعانه. يا موسى، خلقت الجنة يوم خلقت السماوات، و زيّنتها بألوان المحاسن، و جعلت نعيم أهلها و سرورها روحا و ريحانا، فلو نظر أهل الدنيا إليها نظرة من بعيد، لما تهنّوا بالحياة في الدنيا بعدها. يا موسى، هي مدّخرة لأوليائي و الصالحين من عبادي، تحيّتهم يوم يلقونه سلام و طوبى لهم و حسن مآب.
قال موسى: يا ربّ، قد شوّقتني إليها، فأرني يا ربّ لأنظر إليها.
قال: يا موسى، لا يهنئك العيش في الدنيا بعد النظر إليها، لأنك من أبناء الدنيا إلى وقت معلوم، فإذا فارق الروح الجسد رأيتها، و وصلت إليها و دخلتها، و تكون فيها ما دامت السماوات و الأرض، فلا تعجل يا موسى، و اعمل كما أمرت، و بشّر بني إسرائيل بالذي بشّرتك به، و ادعهم إليها، و رغّبهم فيها، و زهّدهم في الدنيا.
فصل
و اعلم يا أخي بأن الرغبة في الدنيا مع طلب الآخرة لا يجتمعان. فمن زهد في الآخرة رغب في الدّنيا، و من رغب في الآخرة زهد في الدّنيا. و قال المسيح، ٧، في بعض مواعظه لبني إسرائيل: اعلموا أن مثل دنياكم