رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٨٠ - فصل في فضل التوبة و الاستغفار و الدعاء
الطريق؟ قال: الظمأ في الهواجر، و كسر النفوس عن لذّة الدنيا. يا اسامة، عليك بالصوم، فإنه يقرّب إلى اللّه، إنه ليس شيء أحبّ إلى اللّه من ريح فم الصائم و ترك الطعام و الشراب للّه تعالى، فإنك إن استطعت أن يأتيك الموت و بطنك جائع، و كبدك ظمآن، فافعل، فإنك تدرك بذلك أشرف المنازل في الآخرة و تحلّ مع النبيين، :، و تفرح الأنبياء و الملائكة بقدوم روحك عليهم، و يصلّي عليك أهل الجنان. إياك، يا أسامة، و دعاء كلّ كبد جائع، قد أذابوا اللحوم و أحرقوا الجلود في الرياح و السمائم، و أظمئوا الأكباد حتى غشيت أبصارهم، فإن اللّه، سبحانه، إذا نظر إليهم باهى كرام الملائكة بهم، بهم يصرف اللّه الزلازل و الفتن حيث كانوا. ثم بكى رسول اللّه شوقا إلى رؤيتهم، حتى اشتدّ بكاؤه و علا نحيبه، وهاب الناس أن يتكلّموا، حتى ظنّوا أنه أمر حدث من السماء. ثم قال: ويح لهذه الأمّة ما يلقى منهم من أطاع اللّه فيهم، كيف يقتلونهم و يكذّبونهم من أجل أنهم أطاعوا اللّه! فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول اللّه، و الناس يومئذ على الإسلام؟ قال:
نعم، قال: فيم يقتلون من أطاع اللّه؟ قال: يا عمر، ترك القوم الطريق، و ركبوا فره[١] الدواب، و لبسوا الحرير و الديباج و الليّن من الثياب، و أكلوا الطيّبات، و شربوا بارد الشراب، و جلسوا على أرائكهم متّكئين، و خدمهم أبناء فارس و الروم. يتزيّن الرجل منهم زينة المرأة لزوجها، و يتبرّج النساء بزيّ كسرى بن هرمز و الملوك الجبابرة، و يسمّنون أبدانهم، و يتباهون بالكساء و اللباس، فإذا نظروا أولياء اللّه، و عليهم العباء، منحنية أصلابهم، قد ذبحوا أنفسهم من شدّة العطش، و إن تكلّم منهم متكلّم كذّب و أبعد و طرد، و قيل: قرين الشيطان و رأس ضلالة، يحرّم زينة اللّه التي أخرج لعباده، و الطيّبات من الرزق، فأوّلوا كتاب اللّه بغير تأويله، و استذلّوا أولياء اللّه و أخافوهم. يا أسامة، إن أقرب الناس إلى اللّه، يوم القيامة، من طال حزنه
[١] -الفره: الدواب النشيطة القويّة.