رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٦٧ - فصل فيما حكاه ولي من أولياء الله عن كيفية معرفة مكائد الشياطين و محاربته معهم و مخالفته جنود إبليس أجمعين
فبحسب التفاوت ما بين هذين الأمرين، قال النبي، صلى اللّه عليه و آله و سلم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» و ما ذكر اللّه سبحانه في القرآن في عدّة سور في آيات كثيرة من التحذير من مكر الشياطين و الغرور بخطراتهم، و الأمر بمخالفتهم و عداوتهم و الجهاد لهم، إذ كان الخطب فيهم أجلّ و الخطر أعظم، بحسب التفاوت ما بين السعادتين في الدنيا و الآخرة و الشقاوة فيهما. فلما تبين لي ما ذكرت و عرفت حقيقة ما وصفت، تبيّن لي أعدائي و شياطيني و مخالفيّ و من يريد أن يغويني عن رشدي و يضلّني عن هداي الذي دعاني إليه ربي و إلهي و أوصاني به، و ما نصحني نبيّي، ٧، ببيانه لي، و علمت أني إن لم أقبل وصيّة ربي و نصيحة نبيّي، و أني متى توانيت و تركت الاجتهاد في مخالفة أعدائي و عداوتهم غلبوني و ظفروا بي، و أسروني و ملكوني و استخدموني في أهوائهم و مراداتهم المشاكلة لأفعالهم السيّئة، و صارت تلك الأشياء عادة لي و جبلة فيّ و طبيعة ثانية، فتصير نفسي الناطقة التي هي جوهرة شريفة شيطانة مثلهم، فأكون قد هلكت و بقيت في عالم الكون و الفساد مع الشياطين معذّبا كما قال اللّه سبحانه: «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها» الآية، و كقوله تعالى: «لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً» الآية.
ثم تفكّرت و عرفت و تبيّن لي أني إذا قبلت وصية ربي و نصيحة نبيي، و اقتديت بهما، و استعنت بربي و شمّرت و اجتهدت و خالفت هوى نفسي الشهوانيّة، و عاديت نفسي الغضبيّة، و حاربت أعدائي المخالفين لنفسي الناطقة، فإني أظفر بهم و أغلبهم بقوّة ربي، و أملكهم بإذنه، و أستعبدهم بحوله و قوّته، و أكون ملكا عليهم و سلطانا، و يصيرون كلّهم عبيدا لي و خدما و خولا، فأصرفهم تحت أمر نفسي الناطقة و نهيها، و تكون هي عند ذلك ملكا من الملائكة بإظهار أفعالها الحسنة و أعمالها الزكيّة و أخلاقها الجميلة و آرائها الصحيحة و معارفها الحقيقيّة، و تكون هاتان النفسان الباقيتان، أعني الشهوانية و الغضبيّة، عبدين مقهورين لها و تحت أمرها و نهيها، و يكون