رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣٥٣ - فصل
و قيل في بعض كتب بني اسرائيل: قال اللّه سبحانه و تعالى: الكبر ردائي، و العظمة إزاري، فمن نازعني فيهما كببته في نار جهنم على منخريه.
قال اللّه، عزّ و جلّ، في القرآن: «أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ؟» و قيل إن الحرص الشديد ربما كان سبب الحرمان؛ و الحاسد عدوّ لنعم اللّه، و ليس للحاسد إلّا ما حسد. و قال اللّه جلّ ذكره: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» فاحذر يا أخي من هذه الخصال و الأخلاق و الأعمال، فإنها من أخلاق الشياطين و جنود إبليس أجمعين الذين يبغض بعضهم بعضا، و يعادي بعضهم بعضا، كما ذكر اللّه تعالى بقوله: «كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها» و قال تعالى: «لا مَرْحَباً بِهِمْ، إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ» و آيات كثيرة في القرآن في ذمّ هؤلاء و سوء الثناء عليهم.
فقد تبين بما ذكرنا أن الكبر و الحرص و الحسد أصول و أمهات لسائر الخصال المذمومة و الأخلاق الرديئة المنتشئة منها الشّرور و المعاصي كلّها، فاحذر يا أخي منها. فإن قيل: ما الحكمة و الفائدة في كون هذه الخصال الثلاث موجودة في الخليقة، مركوزة في الجبلة؟ فنقول: أما التكبر فهو من كبر النفس، و كبر النفس هو من علوّ همتها، و علوّ الهمة جعل في جبلة النفس لطلب الرئاسة، و طلب الرئاسة من أجل السياسة، و ذلك ان الناس محتاجون في تصاريف أمورهم إلى رئيس يسوسهم على شرائط معلومة، كما ذكر ذلك في كتب السياسات بشرح طويل، و قد ذكرنا طرفا منها في رسالة سياسة النّبوّة و الملك، فإذا لم يكن الرئيس عالي الهمة، كبير النفس، لم يصلح للرئاسة؛ و كبر النفس يليق بالرؤساء، و يصلح للملوك، و سياسة الجماعات؛ فأما الرعيّة و الأعوان و الأتباع و الخدم و العبيد فلا يصلح لهم كبر النفس و لا يليق بهم.
و أقول بالجملة إن كبر النفس في كل وقت و في كل شيء ليس بأمر محمود، و لكن إذا استعمل كما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، بمقدار ما