رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٣١٢ - فصل في مراتب الأنفس
الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»، و أما التي فوق هذه فما أشار اليه بقوله: «وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى» يعني الإنسان «آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً[١]» و قال أيضا:
«أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها» يعني الإنسان أحيينا نفسه بنور الهداية، و هذه هي مرتبة نفوس المؤمنين العارفين و العلماء الراسخين.
فأما التي فوقها فمرتبة النفوس النّبويّة الواضعين النواميس الالهيّة، و اليها أشار بقوله جلّ ثناؤه: «يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ» و هذه المرتبة تلي مرتبة القدسيّة الملكيّة. فقد تبيّن، بما ذكرنا، المراتب الخمس التي يمكن الإنسان أن يعلمها و يحسّ بها. فأما المراتب التي دون النباتيّة و فوق القدسية فبعيدة معرفتها على المرتاضين بالعلوم الالهيّة، فكيف على غيرهم. و إذ قد فرغنا من ذكر ما أردنا ان نقدّمه فنقول الآن و نخبر بكل ما يخصّ كل نوع من هذه النفوس الخمس من المعونة و التأييد.
اعلم يا أخي، أيدك اللّه و إيانا بروح منه، أن اللّه، جلّ ثناؤه، لما ربط الأنفس الجزئية بالأجسام الجزئية للعلّة التي ذكرناها في رسالة «الإنسان عالم صغير» أيّدها و أعانها بضروب من المعاونة و فنون من التأييدات: كلّ ذلك جود منه و لطف بها، و انعام منه عليها، و إفضال و إحسان إليها، و إكرام لها، و ذلك أنه كلما بلغت نفس منها رتبة ما، أمدّها بزيادة فضلا منه وجودا، أو نقلها إلى ما فوقها و أرفع منها و أعزّ و أشرف و أجلّ و أكرم:
كلّ ذلك ليبلّغها إلى أقصى مدى غاياتها و تمام نهاياتها، و إذ قد تبين بما ذكرنا، مراتب النفوس الخمس، و ما الفائدة و الحكمة في رباطها بالأجسام، فنريد أن نذكر ما يخصّ كلّ نوع منها من المعاونة و التأييد، و هي القوى الطبيعية، و الأخلاق المركوزة، و الهياكل الجسمانية، و الأدوات الجسدانية،
[١] -حكما: اي حكمة.