رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٩ - فصل في نوادر الفلاسفة في الموسيقى
عقل، و لا فهم، و لا نطق، و لا تمييز، فهم إذا صمّ بكم عمي. و قال آخر: فإن كان لهم سمع و بصر، و ليس هناك أصوات تسمع، و لا نغمات تلذّ، فسمعهم و بصرهم إذا باطل لا فائدة فيه؛ فإن لم يكن لهم سمع و بصر و هم يسمعون و يبصرون، فهم إذا أشرف و أفضل مما هاهنا، لأن تلك الجواهر هي أصفى و أنور و أشفّ و أتمّ و أكمل. و قال آخر: انما استخرجت هذه الألحان الموسيقية التي هاهنا مماثلة لما هناك، كما عملت الآلات الرصديّة مثل الأسطرلاب و الرباب و البنكان[١] و ذوات الحلق مماثلة لما هناك.
و قال آخر: ان لم تكن تلك المحسوسات التي هناك أشرف و أفضل مما هاهنا، و لم يكن للنفوس إليها وصول، فترغيب الفلاسفة في الرجوع إلى عالم الأرواح، و ترغيب الأنبياء، :، و تشويقهم إلى نعيم الجنان إذا باطل و زور و بهتان، و معاذ اللّه من ذلك! فإن توهّم متوهّم أو ظنّ ظانّ أو قال مجادل ان الجنان هي من وراء هذه الأفلاك، و خارجة من فسحة السماوات، قيل له و كيف تطمع في الوصول إليها إن لم تصعد أولا إلى ملكوت السماوات، و تجاوز سعة الأفلاك؟ و يقال انه إذا هبّت نسيم الجنان بالأسحار تحرّكت أشجارها، و اهتزّت أغصانها، و تخشخشت أوراقها، و تناثرت ثمارها، و تلألأت أزهارها، و فاحت روائحها؛ فلو عاين أهل الدّنيا منها نظرة واحدة لما تلذّذوا بالحياة في الدّنيا بعد ذلك أبدا. فلمثل هذا فليعمل العاملون، و في ذلك فليتنافس المتنافسون، و بذلك فليفرحوا، هو خير مما يجمعون؛ و الفلاسفة تسمّي الجنّة «عالم الأرواح».
[١] -البنكان: النصعة الكبيرة، فارسية.