رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ٢٣٨ - فصل في نوادر الفلاسفة في الموسيقى
بالملإ الأعلى؛ و عند ذلك أيقنت بالبقاء، و أمنت من الفناء، و وجدت لذّة العيش صفوا: فقال قائل منهم: و ما الملأ الأعلى؟ فقال: أهل السّماوات و سكان الأفلاك، فقال: أنّى لهم السّمع و البصر؟ فقال: إن لم يكن في عالم الأفلاك و سعة السماوات من يرى تلك الحركات المنظّمة، و ينظر إلى تلك الأشخاص الفاضلة، و يسمع تلك النغمات اللذيذة الموزونة، فقد فعلت الحكمة إذا شيئا باطلا، و من المقدّمات المتّفق عليها بين الحكماء أن الطبيعة لم تفعل شيئا باطلا لا فائدة فيه.
و قال آخر: إن لم يكن في فضاء الأفلاك و سعة السماوات خلائق و سكّان، فهي إذا قفر خاوية، و كيف يجوز في حكمة الباري، جلّ ثناؤه، أن يترك فضاء تلك الأفلاك، مع شرف جواهرها، فارغا خاويا قفرا بلا خلائق هناك، و هو لم يترك قعور البحار المالحة المرّة المظلمة فارغا، حتى خلق في قعرها أجناس الحيوانات من أنواع الأسماك و الحيتان و غيرها؛ و لم يترك جوّ هذا الهواء الرّقيق، حتى خلق له أجناس الطيور تسبح فيه كما تسبح الأسماك و الحيتان في المياه؛ و لم يترك البراري اليابسة، و الآجام الوحلة، و الجبال الراسية، حتى خلق فيها أجناس السّباع و الوحوش، و لم يترك ظلمات التراب و أجناس النبات و الحبّ و الثمر، حتى خلق فيها أجناس الهوامّ و الحشرات.
و قال آخر: إن أجناس هذه الحيوانات التي في هذا العالم إنما هي أشباح و مثالات لتلك الصّور و الخلائق التي في عالم الأفلاك و سعة السّماوات، كما أن النقوش و الصّور التي على وجوه الحيطان و السّقوف أشباح و مثالات لصور هذه الحيوانات اللحميّة، و إن نسبة الخلائق اللحميّة إلى تلك الخلائق التي جواهرها صافية كنسبة هذه الصّور المنقّشة المزخرفة إلى هذه الحيوانات اللحميّة الدّمويّة.
و قال آخر: ان كانت هناك خلائق و ليس لهم سمع، و لا بصر، و لا