رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٩٠ - فصل في كيفية إدراك القوة السامعة للأصوات
فلا يحدث صوتا، و إنما يحدث الصّوت من تصادم الأجسام، متى كان صدمها بشدة و سرعة، لأن الهواء عند ذلك يندفع مفاجأة، و يتموّج بحركته إلى الجهات الستّ بسرعة، فيحدث الصّوت، و يسمع كما بيّنّا في فصل قبل هذا. و الأجسام العظيمة، إذا تصادمت كان صوتها أعظم، لأنها تموّج هواء أكثر. و كلّ جسمين من جوهر واحد، مقدارهما واحد، و شكلهما واحد، نقرا نقرة واحدة معا، فإن صوتيهما يكونان متساويين، فإن كان أحدهما أجوف، كان صوته أعظم، لأنه يصدم هواء كثيرا داخلا و خارجا. و الأجسام الملس أصواتها ملساء، لان السّطوح المشتركة التي بينها و بين الهواء ملساء. و الأجسام الخشنة تكون أصواتها خشنة، لأن السطوح المشتركة بينها و بين الهواء خشنة. و الأجسام الصّلبة المجوّفة كالأواني و الطّرجهارات[١] و الجرار، إذا نقرت طنّت زمانا طويلا، لان الهواء في جوفها يتردّد و يصدمها مرة بعد مرة، و تارة بعد أخرى، إلى أن يسكن، فما كان منها أوسع، كان صوتها أعظم، لأنه يصدم هواء كثيرا داخلا و خارجا. و البوقات الطّوال كان صوتها أعظم، لأن الهواء المتموّج فيها يصدمها في مروره مسافة بعيدة. و الحيوانات الكبيرة الرّئات، الطويلة الحلاقيم، الواسعة المناخر و الاشداق، تكون جهيرة الأصوات، لأنها تستنشق هواء كثيرا و ترسله بشدة.
فقد تبين بما ذكرنا أن علّة عظم الصّوت إنما هي بحسب عظم الأجسام المصوّتة و شدة صدمها و كثرة تموّج الهواء في الجهات عنها فنقول:
إن أعظم الأصوات صوت الرّعد و قد بيّنّا علّة حدوثه في رسالة الآثار العلويّة، و لكن نذكر هنا ما لا بدّ منه. أما علّة حدوثه فهو أن البخارين الصاعدين في الجوّ من البحار و البراري إذا ارتفعا في الهواء،
[١] -الطرجهارات: شبه كؤوس يشرب فيها، واحدتها طرجهارة.