رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٨٩ - فصل في كيفية إدراك القوة السامعة للأصوات
هي أصوات سائر الحيوانات الغير الناطقة، و أما المنطقية فهي اصوات الناس، و هي نوعان: دالّة و غير دالّة. فغير الدالة كالضحك و البكاء و الصّماخ و بالجملة كل صوت لا هجاء له؛ و أما الدّالة فهي الكلام و الأقاويل التي لها هجاء. و كل هذه الاصوات انما هي قرع يحدث في الهواء من تصادم الأجرام، و ذلك ان الهواء لشدّة لطافته و خفّة جوهره و سرعة حركة أجزائه، يتخلل الاجسام كلّها، فإذا صدم جسم جسما آخر، انسلّ ذلك الهواء من بينهما، و تدافع و تموّج إلى جميع الجهات، و حدث من حركته شكل كرويّ، و اتّسع كما تتسع القارورة من نفخ الزّجاج فيها، و كلما اتسع ذلك الشّكل ضعفت حركته و تموّجه، إلى ان يسكن و يضمحلّ. فمن كان حاضرا من الناس و سائر الحيوانات الذي له أذن بالقرب من ذلك المكان، فبتموّج ذلك الهواء بحركته يدخل في أذنيه إلى صماخيه[١] في مؤخر الدماغ، و يتموّج أيضا ذلك الهواء الذي هناك، فتحسّ عند ذلك القوة السامعة بتلك الحركة و ذلك التغيير.
و اعلم ان كلّ صوت له نغمة وصفيّة و هيئة روحانية، خلاف صوت آخر، و ان الهواء من شرف جوهره و لطافة عنصره يحمل كل صوت بهيأته و صفته، و يحفظها لئلا يختلط بعضها ببعض، فيفسد هيأتها، إلى أن يبلغها إلى أقصى مدى غاياتها عند القوة السامعة، لتؤدّيها إلى القوة المتخيلة التي مسكنها مقدّم الدماغ، و ذلك تقدير العزيز الحكيم الذي جعل لكم السّمع و الأبصار و الأفئدة، قليلا ما تشكرون. و إذ قد فرغنا من ذكر ماهيّة الأصوات و كيفيّة حمل الهواء، و كيفيّة إدراك القوة السّامعة لها، فنذكر الآن كيفيّة حدوث أنواعها من تصادم الأجسام بعضا ببعض، فنقول: إن كل جسمين تصادما برفق و لين لا تسمع لهما صوتا، لأن الهواء ينسلّ من بينهما قليلا قليلا،
[١] -الصّماخ: خرق الاذن.