رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٦ - قسم النفسانيات و العقليات
فاعتمدوا مذهب الأفلاطونية الحديثة في تعليل صدور الموجودات عن اللّه بطريق الفيض و هو يختلف عن الخلق الذي تقول به الأديان. فالعقل الفعال أول موجود فاض عن الباري، ثم فاضت النفس الكلية من العقل، ثم فاضت الهيولى الأولى من النفس. و هذه الموجودات الثلاثة جواهر روحانية بسيطة. فلما قبلت الهيولى الأولى من النفس الصورة الأولى و هي الطول و العرض و العمق، أصبحت جسما مطلقا و هو الهيولى الثانية. و وقف الفيض عند وجود الجسم، و لم يغض منه جوهر آخر لنقصان رتبته عن الجواهر الروحانية، و غلظ جوهره و بعده من العلة الأولى. و لما دام الفيض من الباري على العقل الفعال، و من العقل الفعال على النفس الكلية أو العقل المنعقل، عطفت النفس على الجسم، فصورت فيه الصور و الأشكال و الأصباغ لتتمه بالفضائل و المحاسن، فقبل منها الشكل الكريّ أفضل الأشكال، و حرّكته بالحركة الدورية، و هي أفضل الحركات. فكان من ذلك عالم الأفلاك مرتبة أكره بعضها في جوف بعض من لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض. فصار الكل عالما واحدا منتظما نظاما كليّا واحدا، و صارت الأرض أغلظ الأجسام كلها و أشدها ظلمة لبعدها عن الفلك المحيط، و صار الفلك المحيط ألطف الأجسام كلها و أشدها روحانية و أشفّها نورا لقربه من الهيولى الأولى التي هي جوهر بسيط معقول. فتم الفيض انبجاسا من الأعلى إلى الأسفل، حتى إذا تكونت الأفلاك السماوية تولت بحركاتها المنتظمة توليد الأركان الأربعة تحت فلك القمر، و هي النار و الهواء و الماء و الأرض. و دارت الأفلاك بأبراجها و كواكبها على هذه الأركان، و تعاقب عليها الليل و النهار، و الشتاء و الصيف، و الحار و البارد، و اختلط بعضها ببعض، فامتزج اللطيف منها بالكثيف، و الثقيل بالخفيف، و الحار بالبارد، و الرطب باليابس، فتركبت منها على طول الزمان أنواع التركيبات من الأسفل إلى الأعلى فكانت المعادن، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان.
و على هذا فالنفس الكلية هي نفس العالم بأسره، و العقل الفعال الكلي هو