رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٥٥ - فصل في أن المنجم لا يدعي علم الغيب فيما يخبر به من الكائنات
و الوباء و الموتان[١] و القحط و الأمراض و الأعلال[٢] و السلامة منها، و يستدلّ على حدوثها من تحاويل سنيّ العالم التي تؤرّخ بها التقاويم، و منها حوادث الأيام شهرا شهرا و يوما يوما التي يستدلّ عليها من الأوقات و الاجتماعات و الاستقبالات التي يؤرّخ بها في التقاويم؛ و منها أحكام المواليد لواحد واحد من الناس في تحاويل سنيهم بحسب ما يوجبه لهم تشكّل الفلك و مواضع الكواكب في أصول مواليدهم و تحاويل سنيهم؛ و منها الاستدلال على الخفيّات من الأمور كالخبر و السرقة و استخراج الضمير و المسائل التي يستدلّ عليها من طالع وقت المسألة و السؤال عنها.
و اعلم يا أخي أنه ليس في معرفة الكائنات قبل كونها صلاح لكلّ واحد من الناس، لأن في ذلك تنغيصا للعيش و استجلابا للهمّ، و استشعارا للخوف و الحزن و المصائب قبل حلولها، و انما نظر الحكماء في هذا العلم و بحثهم عن هذه السرائر ليرضوا بذلك نفوسهم و يستعينوا بهذا العلم على الترقّي إلى ما هو أشرف منه و أجل. و ذلك أن الإنسان العاقل المحصّل المستيقظ القلب إذا نظر في هذا العلم و بحث عن هذا السّر و عن أسبابه و علله و اعتبرها بقلب سليم من حبّ الدنيا انتبهت نفسه من نوم الغفلة و استيقظت من رقدة الجهالة، و انتعشت و انبعثت من موت الخطيئة، و انفتحت لها عين البصيرة، فأبصرت عند ذلك تصاريف الأمور، و عرفت حقائق الموجودات، و رأت بعين اليقين الدار الآخرة، و تحققت أمر المعاد، و علمت عند ذلك بها و من أجلها، و تشوّفت إليها، و زهدت في الكون في الدنيا، فعند ذلك تهون عليها مصائب الدنيا، فلا تغتمّ و لا تجزع و لا تحزن إذا علمت موجبات احكام الفلك من المخاوف و المصائب، كما ذكر عن رسول اللّه، صلى اللّه عليه و سلم، أنه قال: من زهد في الدنيا هانت عليه المصائب. و تصديق ذلك
[١] -الموتان: موت يقع في الماشية.
[٢] -الأعلال: جمع علل جمع علّة.