رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٠١ - فصل في توهم الابعاد
فصل في الهندسة العقليّة
و إذ قد ذكرنا طرفا من الهندسة الحسّية شبه المدخل و المقدّمات، فنريد أن نذكر طرفا من الهندسة العقليّة، إذ كانت هي أحد أغراض الحكماء الراسخين في العلوم الإلهيّة، المرتاضين بالرياضيات الفلسفية، و ذلك أن غرضهم في تقديم الهندسة بعد علم العدد هو تخريج المتعلّمين من المحسوسات إلى المعقولات، و ترقيتهم لتلاميذهم و أولادهم من الامور الجسمانية إلى الأمور الروحانيّة.
فاعلم يا أخي، أيّدك اللّه و إيانا بروح منه، أن النظر في الهندسة الحسيّة يؤدّي إلى الحذق في الصنائع العمليّة كلّها؛ و النّظر في الهندسة العقلية يؤدّي إلى الحذق في الصنائع العلميّة. لأن هذا العلم هو أحد الأبواب التي تؤدّي إلى معرفة جوهر النفس التي هي جذر العلوم و عنصر للحكمة، و أصل الصنائع العلمية و العملية جميعا، أعني معرفة جوهر النفس، فاعلم جميع ما قلنا.
فصل في توهّم الابعاد
الخطّ العقليّ لا يرى مجرّدا إلّا بين السطحين، و هو مثل الفصل المشترك الذي هو بين الشمس و الظّلّ. و إذا لم يكن شمس و لا فيء لم تر خطّا بنقطتين وهميّتين. فاذا توهّمت ان قد تحركت إحدى النّقطتين و سكنت الأخرى، حتى رجعت إلى حيث ابتدأت بالحركة، حدث في فكرك السطح.
و السطح العقلي أيضا لا يرى بمجرّده إلّا بين الجسمين، و هو الفصل المشترك بين الماء و الدّهن. و النّقطة العقليّة لا ترى أيضا بمجرّدها إلّا حيث ينقسم الخطّ بنصفين بالوهم، أي موضع وقعت للإشارة إليها فهي تنتهي هناك.