رسائل اخوان الصفاء و خلان الوفاء - اخوان صفا (مجموعة من المؤلفين) - الصفحة ١٠٠ - فصل في حاجة الانسان إلى التعاون
صنائع شتى، و لا يمكن الانسان الواحد ان يبلغها كلها، لأن العمر قصير، و الصنائع كثيرة، فمن أجل هذا اجتمع في كلّ مدينة أو قرية أناس كثيرون لمعاونة بعضهم بعضا. و قد اوجبت الحكمة الالهيّة و العناية الرّبانية بان يشتغل جماعة منهم بإحكام الصنائع، و جماعة في التجارات، و جماعة بإحكام البنيان، و جماعة بتدبير السياسات، و جماعة بإحكام العلوم و تعليمها، و جماعة بالخدمة للجميع و السعي في حوائجهم، لان مثلهم في ذلك كمثل اخوة من أب واحد في منزل واحد، متعاونين في أمر معيشتهم، كلّ منهم في وجه منها. فأما ما اصطلحوا عليه من الكيل و الوزن و الثمن و الأجرة، فان ذلك حكمة و سياسة ليكون حثّا لهم على الاجتهاد في أعمالهم و صنائعهم و معاوناتهم، حتى يستحق كلّ انسان من الأجرة بحسب اجتهاده في العمل و نشاطه في الصنائع.
و اعلم يا أخي، أيدك اللّه و ايانا بروح منه، أنه ينبغي لك ان تتيقن بأنك لا تقدر ان تنجو وحدك مما وقعت فيه من محنة هذه الدنيا و آفاتها بالجناية التي كانت من أبينا آدم، ٧، لانك محتاج في نجاتك و تخلّصك من هذه الدنيا التي هي عالم الكون و الفساد، و من عذاب جهنم و جوار الشياطين و جنود إبليس أجمعين و الصّعود إلى عالم الأفلاك و سعة السّماوات و مسكن العلّيين و جوار ملائكة الرحمن المقربين، إلى معاونة إخوان لك نصحاء و أصدقاء لك فضلاء متبصّرين بأمر الدين علماء بحقائق الأمور ليعرّفوك طرائق الآخرة و كيفية الوصول إليها، و النجاة من الورطة التي وقعنا فيها كلّنا بجناية أبينا آدم، ٧. فاعتبر بحديث الحمامة المطوّقة المذكورة في كتاب «كليلة و دمنة» و كيف نجت من الشّبكة لتعلم حقيقة ما قبلنا.
و اعلم أن الحكماء إذا ضربوا مثلا لأمور الدنيا، فإنما غرضهم منه أمور الآخرة و الإشارة اليها بضروب الأمثال بحسب ما تحتمل عقول الناس في كلّ مكان و زمان.