إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٠ - فضيلة الإخلاص
فقال:إن هذا من عبادتى.قال:فإنى لا أتركك أن تقطعها.فقاتله،فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض،و قعد على صدره.فقال له إبليس:أطلقنى حتى أكلك.فقام عنه،فقال له إبليس:
يا هذا إن اللّٰه تعالى قد أسقط عنك هذا و لم يفرضه عليك،و ما تعبدها أنت،و ما عليك من غيرك و لله تعالى أنبياء في أقاليم الأرض،و لو شاء لبعثهم إلى أهلها،و أمرهم بقطعها.فقال العابد:لا بد لي من قطعها.فنابذه للقتال.فغلبه العابد و صرعه.و قعد على صدره، فعجز إبليس،فقال له:هل لك في أمر فصل بيني و بينك،و هو خير لك و أنفع؟قال و ما هو؟ قال أطلقنى حتى أقول لك فأطلقه،فقال إبليس.أنت رجل فقير لا شيء لك،إنما أنت كل على الناس يعولونك،و لعلك تحب أن تتفضل على إخوانك،و تواسى جيرانك،و تشبع و تستغني عن الناس،قال نعم.قال فارجع عن هذا الأمر،و لك علي أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين،إذا أصبحت أخذتهما فأنفقت على نفسك و عيالك،و تصدقت على إخوانك،فيكون ذلك أنفع لك و للمسلمين من قطع هذه الشجرة التي يغرس مكانها.
و لا يضرهم قطعها شيئا،و لا ينفع إخوانك المؤمنين قطعك إياها.فتفكر العابد فيما قال.و قال صدق الشيخ،لست بني فيلزمني قطع هذه الشجرة،و لا أمرني اللّٰه أن أقطعها فأكون عاصيا بتركها،و ما ذكره أكثر منفعة.فعاهده على الوفاء بذلك،و حلف له.فرجع العابد إلى متعبده فبات،فلما أصبح رأى دينارين عند رأسه.فأخذهما،و كذلك الغد.ثم أصبح اليوم الثالث و ما بعده فلم ير شيئا.فغضب و أخذ فأسه على عاتقه.فاستقبله إبليس في صورة تشيخ فقال له إلى أين؟قال أقطع تلك الشجرة.فقال كذبت و اللّٰه،ما أنت بقادر على ذلك.
و لا سبيل لك إليها.قال فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة،فقال هيهات،فأخذه إبليس و صرعه،فإذا هو كالعصفور بين رجليه.و قعد إبليس على صدره و قال.لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك.فنظر العابد،فإذا لا طاقة له به.قال يا هذا غلبتني فخل عنى،و أخبرني كيف غلبتك أولا و غلبتني الآن.فقال لأنك غضبت أول مرة لله،و كانت نيتك الآخرة،فسخرنى اللّٰه لك.و هذه المرة غضبت لنفسك و للدنيا،فصرعتك و هذه الحكاية تصديق قوله تعالى (إِلاّٰ عِبٰادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [١]) إذ لا يتخلص
[١] ص:٨٣