إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦١ - بيان
أن يتعاون رجلان على حمل شيء بمقدار من القوة كان كافيا في الحمل لو انفرد و مثاله في غرضنا أن يسأله قريبه الفقير حاجة،فيقضيها لفقره و قرابته،و علم أنه لو لا فقره لكان يقضيها بمجرد القرابة و أنه لو لا قرابته لكان يقضيها بمجرد الفقر،و علم ذلك من نفسه بأن يحضره قريب غنى فيرغب في قضاء حاجته و فقير أجنبي فيرغب أيضا فيه.و كذلك من أمره الطبيب بترك الطعام،و دخل عليه يوم عرفة فصام و هو يعلم أنه لو لم يكن يوم عرفة لكان يترك الطعام حمية ،و لو لا الحمية لكان يتركه لأجل أنه يوم عرفة و قد اجتمعا جميعا فأقدم على الفعل،و كان الباعث الثاني رفيق الأول فلنسم هذا مرافقة للبواعث و الثالث:أن لا يستقل كل واحد لو انفرد،و لكن قوي مجموعهما على إنهاض القدرة.و مثاله في المحسوس أن يتعاون ضعيفان على حمل ما لا ينفرد أحدهما به.و مثاله في غرضنا أن يقصده قريبه الغني فيطلب درهما فلا يعطيه،و يقصده الأجنبي الفقير فيطلب درهما فلا يعطيه،ثم يقصده القريب الفقير فيعطيه،فيكون انبعاث داعيته بمجموع الباعثين،و هو القرابة و الفقر.و كذلك الرجل يتصدق بين يدي الناس لغرض الثواب و لغرض الثناء،و يكون بحيث لو كان منفردا لكان لا يبعثه مجرد قصد الثواب على العطاء،و لو كان الطالب فاسقا لا ثواب في التصديق عليه لكان لا يبعثه مجرد الرياء على العطاء،و لو اجتمعا أورثا بمجموعهما تحريك القلب،و لنسم هذا الجنس مشاركة و الرابع:أن يكون أحد الباعثين مستقلا لو انفرد بنفسه،و الثاني لا يستقل،و لكن لما انضاف إليه لم ينفك عن تأثير بالإعانة و التسهيل،و مثاله في المحسوس أن يعاون الضعيف الرجل القوي على الحمل،و لو انفرد القوي لاستقل،و لو انفرد الضعيف لم يستقل،فإن ذلك بالجملة يسهل العمل و يؤثر في تخفيفه.و مثاله في غرضنا أن يكون للإنسان ورد في الصلاة، و عادة في الصدقات،فاتفق أن حضر في وقتها جماعة من الناس،فصار الفعل أخف عليه بسبب مشاهدتهم،و علم من نفسه أنه لو كان منفردا خاليا لم يفتر عن عمله،و علم أن عمله لو لم يكن طاعة لم يكن مجرد الرياء يحمله عليه،فهو شوب تطرق إلى النية،و لنسم هذا الجنس المعاونة فالباعث الثاني إما أن يكون رفيقا،أو شريكا،أو معينا و سنذكر حكمها في باب الإخلاص.
و الغرض الآن بيان أقسام النيات،فإن العمل تابع للباعث عليه،فيكتسب الحكم منه.و لذلك قيل.إنما الأعمال بالنيات،لأنها تابعة لا حكم لها في نفسها،و إنما الحكم للمتبوع