إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٠ - بيان
ثم لو أبصر الغذاء و عرف أنه موافق له،فلا يكفيه ذلك للتناول ما لم يكن فيه ميل إليه و رغبة فيه،و شهوة له باعثة عليه.إذ المريض يرى الغذاء و يعلم أنه موافق ،و لا يمكنه التناول لعدم الرغبة و الميل،و لفقد الداعية المحركة إليه.فحق اللّٰه تعالى له الميل،و الرغبة و الإرادة،و أعنى به نزوعا في نفسه إليه،و توجها في قلبه إليه ثم ذلك لا يكفيه،فكم من مشاهد طعاما راغب فيه،مريد تناوله،عاجز عنه لكونه زمنا .فخلقت له القدرة و الأعضاء المتحركة حتى يتم به التناول.و العضو لا يتحرك إلا بالقدرة و القدرة تنتظر الداعية الباعثة،و الداعية تنتظر العلم و المعرفة،أو الظن و الاعتقاد،و هو أن يقوى في نفسه كون الشيء موافقا له،فإذا جزمت المعرفة بأن الشيء موافق،و لا بد و أن يفعل،و سلمت عن معارضة باعث آخر صارف عنه،انبعثت الإرادة،و تحقق الميل فإذا انبعثت الإرادة انتهضت القدرة لتحريك الأعضاء.فالقدرة خادمة للإرادة،و الإرادة تابعة لحكم الاعتقاد و المعرفة.فالنية عبارة عن الصفة المتوسطة،و هي الإرادة و انبعاث النفس بحكم الرغبة و الميل إلى ما هو موافق للغرض،إما في الحال و إما في المآل فالمحرك الأول هو الغرض المطلوب،و هو الباعث،و الغرض الباعث هو المقصد المنوي و الانبعاث هو القصد و النية،و انتهاض القدرة لخدمة الإرادة بتحريك الأعضاء هو العمل إلا أن انتهاض القدرة للعمل قد يكون بباعث واحد،و قد يكون بباعثين اجتمعا في فعل واحد.و إذا كان بباعثين فقد يكون كل واحد بحيث لو انفرد لكان مليا بانهاض القدرة و قد يكون كل واحد قاصرا عنه إلا بالاجتماع،و قد يكون أحدهما كافيا لو لا الآخر.لكن الآخر انتهض عاضدا له و معاونا ،فيخرج من هذا التقسيم أربعة أقسام،فلنذكر لكل واحد مثالا و اسما أما الأول:فهو أن ينفرد الباعث الواحد و يتجرد،كما إذا هجم على الإنسان سبع،فكلما رآه قام من موضعه،فلا مزعج له إلا غرض الهرب من السبع،فإنه رأى السبع و عرفه ضارا،فانبعثت نفسه إلى الهرب و رغبت فيه،فانتهضت القدرة عاملة بمقتضى الانبعاث، فيقال نيته الفرار من السبع،لا نية له في القيام لغيره.و هذه النية تسمى خالصة،و يسمى العمل بموجبها إخلاصا بالإضافة إلى الغرض الباعث،و معناه أنه خلص عن مشاركة غيره و ممازجته و أما الثاني:فهو أن يجتمع باعثان كل واحد مستقل بالإنهاض لو انفرد.و مثاله من المحسوس