إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٣ - بيان
و سعادتها،و تنعمها بلقاء اللّٰه تعالى.فالمقصد لذة السعادة بلقاء اللّٰه فقط،و لن يتنعم بلقاء اللّٰه إلا من مات محبا لله تعالى،عارفا بالله،و لن يحبه إلا من عرفه ،و لن يأنس بربه إلا من طال ذكره له،فالأنس يحصل بدوام الذكر،و المعرفة تحصل بدوام الفكر،و المحبة تتبع المعرفة بالضرورة،و لم يتفرغ القلب لدوام الذكر و الفكر إلا إذا فرغ من شواغل الدنيا و لن يتفرغ من شواغلها إلا إذا انقطع عنه شهواتها،حتى يصير مائلا إلى الخير مريدا له نافرا عن الشر مبغضا له.و إنما يميل إلى الخيرات و الطاعات إذا علم أن سعادته في الآخرة منوطة بها،كما يميل العاقل إلى القصد و الحجامة لعلمه بأن سلامته فيهما و إذا حصل أصل الميل بالمعرفة،فإنما يقتضي الميل و المواظبة عليه،فإن المواظبة على مقتضى صفات القلب و إرادتها بالعمل تجرى مجرى الغذاء و القوت لتلك الصفة،حتى تترشح الصفة و تقوى بسببها،فالمائل إلى طلب العلم أو طلب الرئاسة لا يكون ميله في الابتداء إلا ضعيفا،فإن اتبع مقتضى الميل و اشتغل بالعلم و تربية الرئاسة و الأعمال المطلوبة لذلك،تأكد ميله و رسخ .و عسر عليه النزوع.و إن خالف مقتضى ميله ضعف ميله و انكسر،و ربما زال و انمحق.بل الذي ينظر إلى وجه حسن مثلا فيميل إليه طبعه ميلا ضعيفا،لو تبعه و عمل بمقتضاه فدوام على النظر و المجالسة،و المخالفة و المحاورة تأكد ميله حتى يخرج أمره عن اختياره،فلا يقدر على النزوع عنه.و لو فطم نفسه ابتداء،و خالف مقتضى ميله،لكان ذلك كقطع القوت و الغذاء عن صفة الميل،و يكون ذلك زبرا و دفعا في وجهه،حتى يضعف و ينكسر بسببه،و ينقمع و ينمحى و هكذا جميع الصفات.و الخيرات.و الطاعات كلها هي التي تراد بها الآخرة،و الشرور كلها هي التي تراد بها الدنيا لا الآخرة،و ميل النفس إلى الخيرات الأخروية و انصرافها عن الدنيوية هو الذي يفرغها للذكر و الفكر،و لن يتأكد ذلك إلا بالمواظبة على أعمال الطاعة و ترك المعاصي بالجوارح،لأن بين الجوارح و بين القلب علاقة،حتى أنه يتأثر كل واحد منهما بالآخرة،فترى العضو إذا أصابته جراحة تألم بها القلب،و ترى القلب إذا تألم بعلمه بموت عزيز من أعزته،أو بهجوم أمر مخوف تأثرت به الأعضاء،و ارتعدت الفرائض، و تغير اللون.إلا أن القلب هو الأصل المتبوع،فكأنه الأمير و الراعي،و الجوارح كالخدم