إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧١ - بيان
العلم.و لذلك قال تعالى لموسى عليه السلام (لَنْ تَرٰانِي [١]) و قال تعالى (لاٰ تُدْرِكُهُ الْأَبْصٰارُ [٢]) أي في الدنيا. و الصحيح[١]أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ما رأى اللّه تعالى ليلة المعراج فإذا ارتفع الحجاب بالموت،بقيت النفس ملوثة بكدورات الدنيا،غير منفكة عنها بالكلية و إن كانت متفاوتة.فمنها ما تراكم عليه الخبث و الصدأ،فصار كالمرآة التي فسد بطول تراكم الخبث جوهرها،فلا تقبل الإصلاح و التصقيل،و هؤلاء هم المحجوبون عن ربهم أبد الآباد،نعوذ باللّه من ذلك. و منها ما لم ينته إلى حد الرين و الطبع،و لم يخرج عن قبول التزكية و التصقيل،فيعرض على النار عرضا يقمع منه الخبث الذي هو متدنس به، و يكون العرض على النار بقدر الحاجة إلى التزكية،و أقلها لحظة خفيفة،[٢]و أقصاها في حق المؤمنين كما وردت به الأخبار سبعة آلاف سنة،و لن ترتحل نفس عن هذا العالم إلا و يصحبها غبرة و كدورة ما و إن قلّت و لذلك قال اللّه تعالى (وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّٰ وٰارِدُهٰا كٰانَ عَلىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ نَذَرُ الظّٰالِمِينَ فِيهٰا جِثِيًّا [٣]) فكل نفس مستيقنة للورود على النار،و غير مستيقنة للصدور عنها.فإذا أكمل اللّه تطهيرها و تزكيتها،و بلغ الكتاب أجله،و وقع الفراغ عن جملة ما وعد به الشرع من الحساب و العرض و غيره،و وافى استحقاق الجنة،و ذلك وقت مبهم لم يطلع اللّه عليه أحدا من خلقه،فإنه واقع بعد القيامة،و وقت القيامة مجهول فعند ذلك يشتغل بصفائه و نقائه عن الكدورات،حيث لا يرهق وجهه غبرة و لا قترة، لأن فيه يتجلى الحق سبحانه و تعالى،فيتجلى له تجليا يكون انكشاف تجليه بالإضافة إلى ما علمه كانكشاف تجلى المرآة بالإضافة إلى ما تخيله.و هذه المشاهدة و التجلي هي التي تسمى رؤية
[١] الأعراف:١٤٣
[٢] الأنعام:١٠٣
[٣] مريم:٧١،٧٢