إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٩ - بيان
التي ليس فوقها غاية.و ليت شعري من لم يفهم إلا حب المحسوسات كيف يؤمن بلذة النظر إلى وجه اللّه تعالى،و ما له صورة و لا شكل،و أي معنى لو عد اللّه تعالى به عباده،و ذكره أنه أعظم النعم!بل من عرف اللّه عرف أن اللذات المعرفة بالشهوات المختلفة كلها تنطوي تحت هذه اللذة كما قاله بعضهم
كانت لقلبي أهواء مفرّفة فاستجمعت مذ رأتك العين أ هوائى
فصار يحسدني من كنت أحسده و صرت مولى الورى مذ صرت مولائى
تركت للناس دنياهم و دينهم شغلا بذكرك يا ديني و دنيائى
و لذلك قال بعضهم
و هجره أعظم من نار و وصله أطيب من جنة
و ما أرادوا بهذا إلا إيثار لذة القلب في معرفة اللّه تعالى على لذة الأكل و الشرب و النكاح، فإن الجنة معدن تمتع الحواس،فأما القلب فلذته في لقاء اللّه فقط و مثال أطوار الخلق في لذاتهم ما نذكره،و هو أن الصبي في أوّل حركته و تمييزه يظهر فيه غريزة بها يستلذ اللعب و اللهو،حتى يكون ذلك عنده ألذ من سائر الأشياء.ثم يظهر بعده لذة الزينة و لبس الثياب و ركوب الدواب،فيستحقر معها لذة اللعب.ثم يظهر بعده لذة الزينة و لبس الثياب و ركوب الدواب،فيستحقر معها لذة اللعب.ثم يظهر بعده لذة الوقاع و شهوة النساء،فيترك بها جميع ما قبلها في الوصول إليها.ثم تظهر لذة الرئاسة و العلو و التكاثر،و هي آخر لذات الدنيا،و أعلاها،و أقواها،كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفٰاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكٰاثُرٌ [١]) الآية، ثم بعد هذا تظهر غريزة أخرى يدرك بها معرفة اللّه تعالى،و معرفة أفعاله،فيستحقر معها جميع ما قبلها،فكل متأخر فهو أقوى.و هذا هو الأخير،إذ يظهر حب اللعب في سن التمييز،و حب النساء و الزينة في سن البلوغ،و حب الرئاسة بعد العشرين،و حب العلوم بقرب الأربعين،و هي الغاية العليا. و كما أن الصبي يضحك على من يترك اللعب و يشتغل بملاعبة النساء و طلب الرئاسة فكذلك الرؤساء يضحكون على من يترك الرئاسة و يشتغل بمعرفة اللّه تعالى،و العارفون يقولون:إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون
[١] الحديد:٢٠