إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٠ - بيان
بيان
السبب في زيادة النظر في لذة الآخرة على المعرفة في الدنيا
اعلم أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال، كالصور المتخيلة،و الأجسام المتلونة و المتشكلة من أشخاص الحيوان و النبات،و إلى ما لا يدخل في الخيال،كذات اللّه تعالى و كل ما ليس بجسم،كالعلم،و القدرة و الإرادة و غيرها.و من رأى إنسانا ثم غض بصره،وجد صورته حاضرة في خياله كأنه ينظر إليها.و لكن إذا فتح العين و أبصر و أدرك تفرقة بينهما و لا ترجع التفرقة إلى اختلاف بين الصورتين،لأن الصورة المرئية تكون موافقة للمتخيلة و إنما الافتراق بمزيد الوضوح و الكشف،فإن صورة المرئي صارت بالرؤية أتم انكشافا و وضوحا.و هو كشخص يرى في وقت الإسفار قبل انتشار ضوء النهار،ثم رؤي عند تمام الضوء،فإنه لا تفارق إحدى الحالتين الأخرى إلا في مزيد الانكشاف فإذا الخيال أول الإدراك،و الرؤية هو الاستكمال لإدراك الخيال،و هو غاية الكشف و سمي ذلك رؤية لأنه غاية الكشف،لا لأنه في العين.بل لو خلق اللّه هذا الإدراك الكامل المكشوف في الجبهة أو الصدر مثلا استحق أن يسمى رؤية و إذا فهمت هذا في المتخيلات فاعلم أن المعلومات التي لا تتشكل أيضا في الخيال لمعرفتها و إدراكا درجتان:إحداهما أولى،و الثانية استكمال لها.و بين الأولى و الثانية من التفاوت في مزيد الكشف و الإيضاح ما بين المتخيل و المرئي،فيسمى الثاني أيضا بالإضافة إلى الأوّل مشاهدة،و لقاء،و رؤية.و هذه التسمية حق،لأن الرؤية سميت رؤية لأنها غاية الكشف و كما أن سنة اللّه تعالى جارية بأن تطبيق الأجفان يمنع من تمام الكشف بالرؤية،و يكون حجابا بين البصر و المرئي،و لا بد من ارتفاع الحجب لحصول الرؤية،و ما لم ترتفع كان الإدراك الحاصل مجرد التخيل،فكذلك مقتضى سنة اللّه تعالى أن النفس ما دامت محجوبة بعوارض البدن و مقتضى الشهوات،و ما غلب عليها من الصفات البشرية،فإنها لا تنتهي إلى المشاهدة و اللقاء في المعلومات الخارجة عن الخيال.بل هذه الحياة حجاب عنها بالضرورة كحجاب الأجفان عن رؤية الأبصار.و القول في سبب كونها حجابا يطول،و لا يليق بهذا