إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٨ - بيان
و قال عليه السلام[١]«أوثق عرى الإيمان الحب في اللّٰه و البغض في اللّٰه» و شواهد هذا قد ذكرناها في بيان الحب و البغض في اللّٰه تعالى من كتاب آداب الصحبة و في كتاب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فلا نعيده فإن قلت:فقد وردت الآيات و الأخبار[٢]بالرضا بقضاء اللّٰه تعالى، فإن كانت المعاصي بغير قضاء اللّٰه تعالى فهو محال،و هو قادح في التوحيد،و إن كانت بقضاء اللّٰه تعالى فكراهتها و مقتها كراهة لقضاء اللّٰه تعالى،و كيف السبيل إلى الجمع و هو متناقض على هذا الوجه؟ و كيف يمكن الجمع بين الرضا و الكراهة في شيء واحد؟ فاعلم أن هذا مما يلتبس على الضعفاء القاصرين عن الوقوف على أسرار العلوم، و قد التبس على قوم حتى رأوا السكوت عن المنكرات مقاما من مقامات الرضا،و سموه حسن الخلق،و هو جهل محض.بل نقول الرضا و الكراهة يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من جهة واحدة،على وجه واحد.فليس من التضاد في شيء واحد أن يكره من وجه، و يرضى به من وجه.إذ قد يموت عدوك الذي هو أيضا عدو بعض أعدائك،و ساع في إهلاكه فتكره موته من حيث إنه مات عدو عدوك،و ترضاه من حيث إنه مات عدوك.و كذلك المعصية لها وجهان:وجه إلى اللّٰه تعالى من حيث إنه فعله،و اختياره،و إرادته،فيرضى به من هذا الوجه تسليما للملك إلى مالك الملك،و رضا بما يفعله فيه،و وجه إلى العبد من حيث إنه كسبه،و وصفه،و علامة كونه ممقوتا عند اللّٰه و بغيضا عنده،حيث سلط عليه أسباب البعد و المقت،فهو من هذا الوجه منكر و مذموم.و لا ينكشف هذا لك إلا بمثال.
فلنفرض محبوبا من الخلق قال بين يدي محبيه:إنى أريد أن أمير بين من يحبني و يبغضني و أنصب فيه معيارا صادقا،و ميزانا ناطقا،و هو أنى أقصد إلى فلان فأوذيه و أضربه ضربا