إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٥ - بيان
فإذا تأملت هذه الحكايات عرفت قطعا أن الرضا بما يخالف الهوى ليس مستحيلا، بل هو مقام عظيم من مقامات أهل الدين و مهما كان ذلك ممكنا في حب الخلق و حظوظهم كان ممكنا في حق حب اللّٰه تعالى و حظوظ الآخرة قطعا.و إمكانه من وجهين أحدهما:الرضا بالألم لما يتوقع من الثواب الموجود،كالرضا بالفصد،و الحجامة، و شرب الدواء انتظارا للشفاء.
و الثاني الرضا به لا لحظ وراءه،بل لكونه مراد المحبوب و رضا له،فقد يغلب الحب بحيث ينغمر مراد المحب في مراد المحبوب،فيكون ألذ الأشياء عنده سرور قلب محبوبه و رضاه،و نفوذ إرادته،و لو في هلاك روحه كما قيل.
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
و هذا ممكن مع الإحساس بالألم.و قد يستولى الحب بحيث يدهش عن إدراك الألم، فالقياس و التجربة و المشاهدة دالة على وجوده،فلا ينبغي أن ينكره من فقده من نفسه،لأنه إنما فقده لفقد سببه و هو فرط حبه و من لم بذق طعم الحب لم يعرف عجائبه، فللمحبين عجائب أعظم مما وصفناه و قد روي عن عمرو بن الحارث الرافعي قال:كنت في مجلس بالرقة عند صديق لي،و كان معنا فتى يتعشق جارية مغنية،و كانت معنا في المجلس،فضربت بالقضيب و غنت
علامة ذل الهوى على العاشقين البكا
و لا سيما عاشق إذا لم يجد مشتكى
فقال لها الفتى:أحسنت و اللّٰه يا سيدتي،أ فتأذنين لي أن أموت؟فقالت مت راشدا.قال فوضع رأسه على الوسادة،و أطبق فمه،و غمض عينيه،فحركناه فإذا هو ميت و قال الجنيد:رأيت رجلا متعلقا بكم صبي،و هو يتضرع إليه و يظهر له المحبة،فالتفت إليه الصبي و قال له:إلى متى ذا النفاق الذي تظهر لي؟فقال قد علم اللّٰه أنى صادق فيما أورده،حتى لو قلت لي مت لمت.فقال إن كنت صادقا فمت.قال:فتنحى الرجل و غمض عينيه،فوجد ميتا و قال سمنون المحب:كان في جيراننا رجل و له جارية يحبها غاية الحب،فاعتلت الجارية فجلس الرجل ليصلح لها حيسا، فبينا هو يحرك القدر إذا قالت الجارية آه.قال:فدهش الرجل،و سقطت الملعقة من يده،و جعل يحرك ما في القدر بيده حتى سقطت أصابعه.فقالت