إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٣ - بيان
قد نلته.لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة،ثم ملأ بي جهنم تحلة لقسمه، و بدلا من خليقته،لأحببت ذلك من حكمه،و رضيت به من قسمه و هذا كلام من علم أن الحب قد استغرق همه،حتى منعه الإحساس بألم النار،فإن بقي احساس فيغمره ما يحصل من لذته في استشعاره حصول رضا محبوبه بإلقائه إياه في النار،و استيلاء هذه الحالة غير محال في نفسه، و إن كان بعيدا من أحوالنا الضعيفة،و لكن لا ينبغي أن يستنكر الضعيف المحروم أحوال الأقوياء،و بظن أن ما هو عاجز عنه يعجز عنه الأولياء.و قال الرودبارى: قلت لأبي عبد اللّٰه ابن الجلاء الدمشقي قول فلان وددت أن جسدي قرض بالمقاريض،و أن هذا الخلق أطاعوه، ما معناه؟فقال يا هذا،إن كان هذا من طريق التعظيم و الإجلال فلا أعرف،و إن كان هذا من طريق الإشفاق و النصح للخلق فأعرف.قال ثم غشي عليه.
و قد كان عمران بن الحصين قد استسقى بطنه،فبقي ملقى على ظهره ثلاثين سنة لا يقوم و لا يقعد،قد نقب له في سرير من جريد كان عليه موضع لقضاء حاجته،فدخل عليه مطرف و أخوه العلاء،فجعل يبكى لما يراه من حاله.فقال لم تبكي؟قال لأني أراك على هذه الحالة العظيمة.قال لا تبك،فإن أحبه إلى اللّٰه تعالى أحبه إلي.ثم قال:أحدثك شيئا لعل اللّٰه أن ينفعك به،و اكتم علي حتى أموت.إن الملائكة تزورنى فآنس بها،و تسلم علي فأسمع تسليمها،فأعلم بذلك أن هذا البلاء ليس بعقوبة،إذ هو سبب هذه النعمة الجسمية. فمن بشاهد هذا في بلائه كيف لا يكون راضيا به قال:و دخلنا على سويد بن متعبة نعوده،فرأينا ثوبا ملقى،فما ظننا أن تحته شيئا حتى كشف،فقالت له امرأته:أهلي فداؤك،ما نطعمك ما نسقيك،فقال طالت الضجعة، و دبرت الحراقيف،و أصبحت نضوا لا أطعم طعاما،و لا أسيغ شرابا منذ كذا،فذكر أياما و ما يسرني أنى نقصت من هذا قلامة ظفر و لما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة،و قد كان كف بصره،جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له،فيدعو لهذا و لهذا،و كان مجاب الدعوة.قال عبد اللّٰه بن السائب فأتيته و أنا غلام.فتعرفت إليه فعرفني و قال:أنت قارئ أهل مكة؟قلت نعم.فذكر قصة قال في آخرها.فقلت له يا عم.أنت تدعو للناس،فلو دعوت لنفسك فرد اللّٰه عليك