إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٣ - القول
و تعظم العقوبة عليه في العقبي،و تتعجل عليه البلوى في الدنيا. نعم قد يكون للمحب سكرة في حبه حتى يدهش فيه،و تضطرب أحواله،فيظهر عليه حبه،فإن وقع ذلك عن غير تمحل أو اكتساب فهو معذور لأنه مقهور، و ربما تشتعل من الحب نيرانه،فلا يطاق سلطانه،و قد يفيض القلب به فلا يندفع فيضانه.فالقادر على الكتمان يقول
و قالوا قريب قلت ما أنا صانع بقرب شعاع الشمس لو كان في حجرى
فما لي منه غير ذكر بخاطر يهيج نار الحب و الشوق في صدري
و العاجز عنه يقول:
يخفى فيبدى الدمع أسراره
و من يظهر الوجد عليه النفس
و يقول أيضا:
و من قلبه من غيره كيف حاله
و من سره في جفنه كيف يكتم
و قد قال بعض العارفين،أكثر الناس من اللّٰه بعدا أكثرهم إشارة به.كأنه أراد من يكثر التعريض به في كل شيء،و يظهر التصنع بذكره عند كل أحد،فهو ممقوت عند المحبين و العلماء بالله عز و جل.و دخل ذو النون المصري على بعض إخوانه ممن كان يذكر المحبة، فرآه مبتلى ببلاء،فقال لا يحبه من وجد ألم ضره.فقال الرجل.لكني أقول لا يحبه من لم يتنعم بضره.فقال ذو النون:و لكني أقول لا يحبه من شهر نفسه بحبه.فقال الرجل.
أستغفر اللّٰه و أتوب إليه،فإن قلت المحبة منتهى المقامات،و إظهارها إظهار للخير، فلما ذا يستنكر؟فاعلم أن المحبة محمودة،و ظهورها محمود أيضا.و إنما المذموم التظاهر بها، لما يدخل فيها من الدعوى و الاستكبار و حق المحب أن ينم على حبه الخفي أفعاله و أحواله، دون أقواله و أفعاله.و ينبغي أن يظهر حبه من غير قصد منه إلى إظهار الحب،و لا إلى إظهار الفعل الدال على الحب بل ينبغي أن يكون قصد المحب اطلاع الحبيب فقط فأما إرادته اطلاع غيره فشرك في الحب،و قادح فيه،كما ورد في الإنجيل إذا تصدقت فتصدق بحيث لا تعلم شمالك ما صنعت يمينك،فالذي يرى الخفيات يجزيك علانية و إذا صمت فاغسل وجهك و ادهن رأسك،لئلا يعلم.بذلك غير ربك. فإظهار القول و الفعل كله مذموم،إلا إذا غلب