إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٨ - القول
و لا تأخذه لومة لائم،و لا يصرفه عن الغضب لله صارف و به وصف اللّٰه أولياءه إذ قال:
الذين يكلفون بحبي كما يكلف الصبي بالشيء،و يأوون إلى ذكرى كما يأوى النصر إلى و كره و يغضبون لمحارمي كما يغضب الثمر إذا حرد،فإنه لا يبالي قل الناس أو كثروا. فانظر إلى هذا المثال،فإن الصبي إذا كلف بالشيء،لم يفارقه أصلا،و إن أخذ منه لم يكن له شغل إلا البكاء و الصياح حتى يرد إليه،فإن نام أخذه معه في ثيابه،فإذا انتبه عاد و تمسك به،و مهما فارقه بكى،و مهما وجده ضحك،و من نازعه فيه أبغضه،و من أعطاه أحبه.و أما النمر فإنه لا يملك نفسه عند الغضب،حتى يبلغ من شدة غضبه أنه يهلك نفسه فهذه علامات المحبة،فمن تمت فيه هذه العلامات فقد تمت محبته و خلص حبه،فصفا في الآخرة شرابه و عذب مشربه.و من امتزج بحبه حب غير اللّٰه تنعم في الآخرة بقدر حبه إذ يمزج شرابه بقدر من شراب المقربين،كما قال تعالى في الأبرار (إِنَّ الْأَبْرٰارَ لَفِي نَعِيمٍ [١]) ثم قال (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتٰامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذٰلِكَ فَلْيَتَنٰافَسِ الْمُتَنٰافِسُونَ وَ مِزٰاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ [٢]) فإنما طلب شراب الأبرار لشوب الشراب الصرف الذي هو للمقربين.و الشراب عبارة عن جملة نعيم الجنان،كما أن الكتاب عبر به عن جميع الأعمال فقال (إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [٣]) ثم قال (يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [٤]) فكان أمارة علو كتابهم أنه ارتفع إلى حيث يشهده المقربون.و كما أن الأبرار يجدون المزيد في حالهم و معرفتهم بقربهم من المقربين،و مشاهدتهم لهم،فكذلك يكون حالهم في الآخرة (مٰا خَلْقُكُمْ وَ لاٰ بَعْثُكُمْ إِلاّٰ كَنَفْسٍ وٰاحِدَةٍ [٥]) (كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [٦]) و كما قال تعالى (جَزٰاءً وِفٰاقاً [٧]) أي وافق الجزاء أعمالهم. فقوبل الخالص بالصرف من الشراب،و قوبل المشوب بالمشوب،و شوب كل شراب على قدر ما سبق من الشوب في حبه و أعماله (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [٨]) و (إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ [٩]) و (إِنَّ اللّٰهَ لاٰ يَظْلِمُ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضٰاعِفْهٰا [١٠])
[١] الانفطار:١٣
[٢] المطففين:٢٥-٢٨
[٣] المطففين:١٨
[٤] المطففين:٢١
[٥] لقمان:٢٨
[٦] الأنبياء:١٠٤
[٧] النبأ:٢٦
[٨] الزلزلة:٧،٨
[٩] الرعد:١١
[١٠] النساء:٤٠