الفتاوى الميسرة - الحكيم، السيد عبد الهادي - الصفحة ٩٩ - ( حواريّة الموت )
مِن الميّت ؟
أسألتَ نفسك أين ذهبَت كلّ تلك الأُمم السالفة وأجيالها المتعاقبة يوم ( أصبَحَت مساكنُهم أجداثاً ، وأموالُهم ميراثاً ، لا يعرفون مَن آثارهم ، ولا يحفلون مَن بكاهم ، ولا يجيبون مَن دعاهم ) .
فكم.. و ( تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ ) .
ثمّ أين ذهَب مَن تعرف ممّن ذهب ؟
أين آباؤك السابقون ، وأجدادك الماضون.. أين فلان.. أين فلان.. أين فلان..؟! لقد ( استبدلوا بظهر الأرض بطناً ، وبالسعة ضيقاً ، وبالأهل غربةً ، وبالنّور ظلمةً ) .
ثمّ أنشد أبي :
كلّنا في غفلةٍ والموتُ يغـدو ويَـروحُُُُُُُُ
نُح على نفسِك يا مِسكيـن إنْ كنت تَنوحُ
لستَ بالباقي ولو عمّرت ما عمـرّ نـوحُ
وران صمتٌ كثيف على وجهه كانت الدّقائق تمُرّ فيه ثقيلةً بطيئة متأنّية كَمَن يعيد ترتيب صورة ما في ذهنه ، أو يعيد تجميع شيءٍ متناثر هنا وهناك في ذاكرته حتّى قطع صوتُه حبْل ذلك الصمت قائلاً :
رحِمَك الله يا أبا الحسن يومَ قُلت قبل ساعة موتك : ( أنا بالأمسِ صاحبُكم ، وأنا اليوم عِبرةٌ لكم ، وغداً مُفارقكم ، ليعظكم