تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٢٧
الحكم المستنصر ابن عبد الرحمن الناصر سنة ٣٥٠- ٣٦٦ ه، فقد كان محبّا للعلم، جماعا للكتب من أنحاء العالم، فكان يبعث فى شرائها رجالا من التجار و معهم الأموال و يحضهم على البذل فى سبيلها لينافس بنى العباس فى اقتناء الكتب و تقريب العلماء و الكتاب إليه و قد اجتمع له من الكتب عدد عظيم، فكان مجموع ما حوته تلك المكتبة أربعمائة ألف مجلد.
على أن هاتين الخزانتين لم تصلا فى عظمتهما و جلالهما إلى مبلغ ما وصلت إليه خزانة الفاطميين، و قد وصفها المقريزى بأنها كانت من عجائب الدنيا، و أنه لم يكن فى جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم منها، و أنها اشتملت على مليون و ستمائة ألف كتاب، و كان فيها من المخطوط أشياء كثيرة.
على أنه مما يدعو إلى الأسف حقّا أن تتلاشى أغلب هذه المجلدات التى امتلأت بها خزائن القصور الفاطمية الزاهرة فى غضون الشدة العظمى التى حاقت بالبلاد سنين طويلة فى عهد المستنصر الفاطمى، فقد نزع من هذه المكتبة ما يقرب من ألفين و أربعمائة ختمة مكتوب عليها بماء الذهب و الفضة، أخذها الأتراك لهم من الأرزاق.
هذا بالإضافة إلى ما ذهب إليه المقريزى من أن عددا غير قليل من الكتب الجليلة قد اتخذ بعض العبيد و الإماء من جلودها نعالا و أحذية. ثم أحرقوا أوراقها زعما منهم أنها تحوى كلام المشارقة الّذي خالف مذهبهم و أن عددا آخر كبيرا من الكتب أغرق و أتلف، و ما بقى أتت عليه الرياح و التراب فصار تلالا عرفت «بتلال الكتب» بالقاهرة.
و لكن رغم هذه المحنة التى حاقت بكثير من الكتب الفاطمية، فإن الفاطميين سرعان ما عوضوا عما فقدوه منها، و استطاعوا أن يكونوا لهم خزانة عظيمة فى عصر العاضد الفاطمى آخر خلفائهم [١]، و قد بيعت هذه الكتب التى غصت بها خزانة الفاطميين عند ما استولى صلاح الدين الأيوبى على القصور الفاطمية الزاهرة، و استغرق فى بيعها عدة أعوام، و إن دل هذا على شيء فإنما يدل على كثرتها و غزارتها.
[١] يعد العاضد من غاصبى الخلافة الفاطمية (محقق).