دروس في مسائل علم الأصول - التبريزي، الميرزا جواد - الصفحة ٣٩٩ - في الموجب للعقاب في التجري و عدم منافاة استحقاق المتجري مع ما ورد في العفو عن قصد المعصية
يكون من تبعة بعده عن سيده بتجرّيه عليه، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة، فكما أنه يوجب البعد عنه، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة، و إن لم يكن باختياره إلّا أنه بسوء سريرته و خبث باطنه، بحسب نقصانه و اقتضاء استعداده ذاتا و إمكانه، و إذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإشكال و ينقطع السؤال ب (لم) فإن الذاتيات ضروري الثبوت للذات.
و بذلك أيضا ينقطع السؤال عن أنه لم اختار الكافر و العاصي الكفر و العصيان؟ و المطيع و المؤمن الإطاعة و الإيمان؟ فإنه يساوق السؤال عن أن الحمار لم يكون ناهقا؟ و الانسان لم يكون ناطقا؟.
و بالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى و البعد عنه، سبب و اقتضاء استعداده، و إذا انتهى الأمر إلى اقتضاء ذات ممكن الوجود و اقتضاء استعداده يرتفع الإشكال و ينقطع السؤال عن علته، فإن الذاتيات ضروري الثبوت للذات و ينقطع السؤال عن علة اختيار الكافر و العاصي الكفر و العصيان و اختيار المطيع و المؤمن الإطاعة و الايمان. فإنّه يساوق السؤال عن أن الحمار لم يكون ناهقا؟ و الإنسان لم يكون ناطقا؟ و قد أوجز كلّ ذلك بأنّ تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى و البعد عنه سبب لاختلافهم في استحقاق الجنة و درجاتها و النار و دركاتها و موجب لاختلافهم في نيل الشفاعة و عدمه، و تفاوتها أخيرا يكون ذاتيا و الذاتي لا يعلل.
ثمّ تعرّض لما يمكن أن يقال بأنّه لو كان الأمر كما ذكر فلا فائدة في بعث الرسل و إنزال الكتب و الوعظ و الإنذار فأجاب: بأن الفائدة اهتداء من طابت سريرته و طينته إلى ما يكمل به نفسه من العمل إلى المقربات إليه سبحانه، و ليكون حجة على من ساءت سريرته و خبثت طينته في استحقاقه الهلاك باختياره ارتكاب المهلكات