حاشية على كفاية الأصول - العلامة الطباطبائي - الصفحة ١٩ - مبحث الوضع
و الاجتماع بينهم فتغيرت اللهجة و خلت عن الفعل و الانفعال الاجتماعي و انجر الأمر بمرور الزمان إلى حدوث لغتين أو أكثر، هذا كله مما لا يرتاب فيه المتأمل الباحث في أوضاع المجتمعين من الإنسان، و الحيوان، و التغيرات، و التطورات الواقعة فيها.
و يتبين بذلك ان الإنسان يتوصل إلى اللغات بوضع المعاني نفسها و عرضها على المخاطب أولا، ثم وضع الألفاظ في محلها بالاعتبار بإعطاء حدودها إياها بحكم الوهم فتكون الألفاظ وجودات للمعاني بالعرض و يتوصل إلى الدلالة اللفظية أولا بالدلالة العقلية، و هي دلالة الشيء على نفسه، و لوازمه العقلية أولا، ثم الدلالة على ذلك بما يراه نفس الشيء وهما، و ليس به حقيقة فاللفظ نفس المعنى، و دلالته عليه دلالة الشيء على نفسه لكن في ظرف الاعتبار و بحكم الوهم.
و لذلك ربما سرى بعض أوصاف أحدهما إلى الآخر من حسن، أو قبح أو خير، أو شر و من هنا يؤخذ جل باب التطير، و التفؤل كما يتطير، من الغراب لاشتقاقه من الغربة، و من شجرة البان لأنه من البين، و الفرقة و العرب كانت تتشأم من العطسة لأنهم كانوا يتشأمون من حيوان يسمى عاطوسا فهذه و أمثالها صفات سرت من معنى إلى لفظ و منه إلى آخر ثم إلى معناه و ربما ذهب الأمر إلى غايات بعيدة هذا.
و يتبين بذلك كله ان وضع جل الألفاظ باستثناء الاعلام الشخصية وضع تعيني لا تعييني و انما هو الإنسان مفطور على ذلك بفطرته الاجتماعية.