الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٧٨ - المتن
فصل: إن كنت أردت أن تعلم مقدار تأثير مصيبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على أمير المؤمنين (عليه السلام) و على أهل بيته، فاسمع ما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في ذلك، قال: فنزل بي من وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ما لم أكن أظنّ الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به. فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه و لا يضبط نفسه و لا يقوى على حمل فادح ما نزل به؛ قد أذهب الجزع صبره و أذهل عقله و حال بينه و بين الفهم و الإفهام و القول و الاستماع، و سائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزّ يأمر بالصبر و بين مساعد باك لبكائهم، جازع لجزعهم.
و حملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت و الاشتغال بما أمرنى به من تجهيزه و تغسيله و تحنيطه و تكفينه و الصلاة عليه و وضعه في حفرته و جمع كتاب اللّه و عهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة و لا هائج زفرة و لا لادغ حرقة و لا جزيل مصيبته، حتى ادّيت في ذلك الحق الواجب للّه عز و جل و لرسوله (صلّى اللّه عليه و آله) عليّ، و بلغت منه الذي أمرني به و احتملته صابرا محتسبا.
و روى الكليني، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: لما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بات آل محمد (عليهم السلام) بأطول ليلة حتى ظنّوا أن لا سماء تظلّهم و لا أرض تقلّهم، لأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) وتر الأقربين و الأبعدين في اللّه. فبينا هم كذلك إذ أتاهم آت لا يرونه و يسمعون كلامه، فقال: السّلام عليكم يا أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته، إن في اللّه عزاء من كل مصيبة و نجاة من كل هلكة و دركا لما فات؛ «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» [١]. إن اللّه اختاركم و فضّلكم و طهّركم و جعلكم أهل بيت نبيه (عليهم السلام) و استودعكم علمه و أورثكم كتابه.
و قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إن اللّه لما قبض نبيه (صلّى اللّه عليه و آله)، دخل على فاطمة (عليها السلام) من الحزن ما لا يعلمه إلا اللّه عز و جل. فأرسل إليها ملكا يسلّي غمها و يحدّثها، فشكت ذلك إلى
[١] سورة آل عمران: الآية ١٨٥.