المغازي - الواقدي - الصفحة ٩٨٦ - شأن سريّة أميرها علقمة بن مجزّز المدلجىّ فى ربيع الآخر سنة تسع
(١) القوم و هم غارّون فنغير عليهم، و نخرج بالعبد الأسود ليلا، و نخلّف حريثا مع العسكر حتى يلحقوا إن شاء اللّه. قال علىّ: هذا الرأى! فخرجوا بالعبد الأسود، و الخيل تعادا، و هو ردف بعضهم عقبة [١]، ثم ينزل فيردف آخر عقبة، و هو مكتوف، فلمّا انهار الليل كذب العبد و قال: قد أخطأت الطريق و تركتها ورائي. قال علىّ (عليه السلام): فارجع إلى حيث أخطأت! فرجع ميلا أو أكثر، ثم قال: أنا على خطأ.
فقال علىّ (عليه السلام): إنّا منك على خدعة، ما تريد إلّا أن تثنينا عن الحىّ، قدّموه! لتصدقنا أو لنضربنّ عنقك!
قال: فقدّم و سلّ السيف على رأسه، فلمّا رأى الشرّ قال: أ رأيت إن صدقتكم، أ ينفعنى؟
قالوا: نعم. قال: فإنّى صنعت ما رأيتم، إنّه أدركنى ما يدرك الناس من الحياء فقلت: أقبلت بالقوم أدلّهم على الحىّ من غير محنة و لا حقّ فآمنهم، فلمّا رأيت منكم ما رأيت و خفت أن تقتلوني كان لى عدر، فأنا أحملكم على الطريق. قالوا: أصدقنا. قال: الحىّ منكم قريب.
فخرج معهم حتى انتهى إلى أدنى الحىّ، فسمعوا نباح الكلاب و حركة النّعم فى المراح و الشاء، فقال: هذه الأصرام [٢] و هي [على] فرسخ.
فينظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: فأين آل حاتم [٣]؟ قال: هم متوسّطو الأصرام. قال القوم بعضهم لبعض: إن أفزعنا الحىّ تصايحوا و أفزعوا بعضهم بعضا فتغيب عنّا أحزابهم فى سواد الليل، و لكن نمهل القوم حتى يطلع الفجر معترضا فقد قرب طلوعه فنغير، فإن أنذر بعضهم بعضا لم يخف علينا أين يأخذون، و ليس عند القوم خيل يهربون عليها و نحن
[١] العقبة: النوبة. (الصحاح، ص ١٨٥).
[٢] الأصرام: جمع الصرمة، و هي الجماعة. (القاموس المحيط، ج ٤، ص ١٣٩).
[٣] فى الأصل: «فأين الرخاتم».