المغازي - الواقدي - الصفحة ٩٧٩ - قدوم عروة بن مسعود
(١)
و كان رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قد أمر بمنبر، فوضع فى المسجد ينشد عليه حسّان، و قال: إنّ اللّه ليؤيّد حسّان بروح القدس ما دافع عن نبيّه.
و سرّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )يومئذ و المسلمون بمقام ثابت و شعر حسّان. و خلا الوفد بعضهم إلى بعض، فقال قائل: تعلمنّ و اللّه أنّ هذا الرجل مؤيّد مصنوع له، و اللّه لخطيبه أخطب من خطيبنا، و لشاعرهم أشعر من شاعرنا،* و لهم أحلم منّا! و كان ثابت بن قيس من أجهر الناس صوتا. و أنزل اللّه تعالى على نبيّه فى رفع أصواتهم- التّميميّين- و يذكر أنّهم نادوا النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )من وراء الحجرات فقال:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ [١] إلى قوله:
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ، يعنى تميما حين نادوا النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم.
و كان ثابت حين نزلت هذه الآية لا يرفع صوته عند النبىّ صلّى اللّه عليه و سلّم، فردّ رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )عليهم السّبى و الأسرى.
و قام عمرو بن الأهتم يومئذ يهجو قيس بن عاصم، كانا جميعا فى الوفد، و كان رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قد أمر لهم بجوائز، و كان يجيز الوفد إذا قدموا عليه و يفضّل بينهم فى العطيّة على قدر ما يرى، فلمّا أجازهم رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قال: هل بقي منكم من لم نجزه؟
قالوا: غلام فى الرّحل. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: أرسلوه نجزه! فقال قيس بن عاصم: إنّه غلام لا شرف له. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: و إن كان! فإنّه وافد و له حقّ!
فقال عمرو بن الأهتم شعرا يريد قيس بن عاصم:
ظللت مفترشا هلباك [٢] تشتمني * * * عند الرّسول فلم تصدق و لم تصب
[١] سورة ٤٩ الحجرات ٢.
[٢] الهلب و الهلباء: شعر الذنب فاستعاره هنا للإنسان. (شرح أبى ذر، ص ٤٣٥).