المغازي - الواقدي - الصفحة ٩٠٣ - غزوة حنين
(١) فجعلت تسلّه [١] و تصيح بالأنصار: أيّة عادة هذه [٢]! ما لكم و للفرار! قالت: و أنظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق، معه لواء، يوضع جمله فى أثر المسلمين، فأعترض له فأضرب عرقوب الجمل، و كان جملا مشرفا [٣]، فوقع على عجزه، و أشدّ عليه، فلم أزل أضربه حتى أثبتّه، و أخذت سيفا له و تركت الجمل يخرخر، يتصفّق [٤] ظهرا لبطن، و
رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قائم مصلت السيف بيده، قد طرح غمده، ينادى:
يا أصحاب سورة البقرة!
قال: و كرّ المسلمون، فجعلوا يقولون: يا بنى عبد الرحمن! با بنى عبيد اللّه! يا خيل اللّه! و كان رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه و سلم )قد سمّى خيله خيل اللّه، و جعل شعار المهاجرين بنى عبد الرحمن، و جعل شعار الأوس بنى عبيد اللّه. فكرّت الأنصار، و وقفت هوازن حلب ناقة فتوح [٥]، ثم كانت إيّاها، فو اللّه ما رأيت هزيمة كانت مثلها، ذهبوا فى كلّ وجه، فرجع ابناي إلىّ- حبيب و عبد اللّه ابناي زيد- بأسارى مكتّفين، فأقوم إليهم من الغيظ، فأضرب عنق واحد منهم، و جعل الناس يأتون بالأسارى، فرأيت فى بنى مازن بن النّجّار ثلاثين أسيرا. و كان المسلمون قد بلغ أقصى هزيمتهم مكّة، ثم كرّوا بعد و تراجعوا، فأسهم لهم النبىّ ( صلّى اللّه عليه و سلم )جميعا.
فكان أنس بن مالك يقول: إنّ أمّ سليم، أمّى ابنة ملحان جعلت تقول:
يا رسول اللّه، أ رأيت هؤلاء الذين أسلموك و فرّوا عنك و خذلوك! لا تعف
____________
[١] فى الأصل: «تسبه».
[٢] فى الأصل: «أنت عاده هذه».
[٣] جمل مشرف: أى عال. (الصحاح، ص ١٣٨٥).
[٤] تصفق: أى انقلب. (لسان العرب، ج ١٢، ص ٧١).
[٥] الفتوح من النوق: الواسعة الإحليل. (الصحاح، ص ٣٨٩).