المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٤٣ - موضوع علم الاصول و تعريفه
و بالجملة فالغرض في علم الاصول تمهيد قواعد تقع في طريق العلم بتنجّز الأحكام أو تعذّرها، و بعبارة أخرى: ما هو منجّز أو معذّر، و من الواضح أنّ ذلك لا بدّ و أن يستند إلى بعض الأدلّة الأربعة، واحدا أو اكثر، و ذلك بان يدلّ احد من الأدلّة الأربعة- بعد الفراغ عن دليليّتها في الجملة- علي حجّيّة شيء بمعنى منجّزيّته للحكم أو معذّريّته عنه، و لذلك يري أنّه يستدلّ لحجّيّة الخبر الواحد مثلا بالكتاب أو الخبر المتواتر الّذي من السنّة أو السيرة الّتي لم يردع عنها الشارع الراجعة بالأخرة إلى فعل الإمام الّذي هو من مصاديق السنّة، و كذلك في كل مبحث من مباحث علم الاصول و الفقه لا بدّ و أن يكون المستند ما يرجع إلى أحد الأدلّة.
ثمّ إنّك قد عرفت في بيان موضوع علم النحو أنّ الموضوع هو القدر المشترك بين المحمولات الّذي يبحث في العلم عن تعيّناته و خصوصيّاته و هي من عوارضه، كما أنّا نعلم أنّ للكلمة هيئة و نريد أن نعيّن انّها الرفع أو النصب أو الجرّ، فكذلك في المقام فإنّا نعلم إجمالا أنّ الأدلّة الأربعة بوصف دليليّتها- أي بعد العلم بدليليّتها- تدلّ علي أحكام تنجّز بعضها تارة و تعذّر عنه أخرى، فيقع الكلام في تعيّناتها و أنّها علي أي شيء تدل و أنّه هل يدلّ الكتاب علي حجّيّة خبر الواحد أولا؟ و هل يدلّ علي حجّيّة الإجماع أو لا؟ و غير ذلك من المباحث. و الفارق بين مباحث الفقه و الاصول حينئذ هو الغرض و أنّه في الفقه يبحث عن دلالتها علي أفعال المكلّفين و ما هو متعلّق بها بلا واسطة، و في الاصول عمّا يتعلّق بالقواعد الكليّة و ما يدلّ عليها، فيقال: الكتاب يدلّ علي حجّيّة الخبر الواحد، فالموضوع هو الكتاب بوصف دليليّته و محموله الدلالة علي ما يكون هو من عوارضه بالمعنى الّذي عرفت، و حينئذ فلا تجد بحثا من المباحث لا يرجع إلى الأدلّة الأربعة و لا يكون من عوارضها كما لا يخفى.
هذا تمام الكلام في موضوع علم الاصول و تعريفه، و قد عرفت في ضمنها الغرض من العلم، و هي الثلاثة الهامّة الّتي يبحث عنها في ابتداء العلم زيادة لبصيرة متعلّمه وفّقنا اللّه لإتمامه.