المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٣٤٢ - التنبيه الثانى في ترجيح النهى علي الامر و ما ذكر له من الوجوه
الوجوب و الحرمة، و ذلك لا يتصوّر الا عند عدم وجود المندوحة كما اذا فرض دوران امر المكلف بين الغصب و الصلاة، فإنّه في هذا المورد لا بدّ اولا من ملاحظة اقوى الملاكين فيقدم علي اضعفهما و ان كان الدليل عليه اقوى من حيث الدلالة أو السند، و اذا لم يحرز الغالب منهما كان بين الخطابين تعارض لا محالة، إذا كان كل منهما متكفلا لحكم فعلى، فلا بد حينئذ من تقديم ما هو الاقوى منهما دلالة أو سندا، و بطريق الإنّ يحرز به ان مدلوله اقوى مقتضيا. و أمّا الترجيح من حيث اقوائية الدلالة فمورده فيما إذا كان كل منهما متكفلا لحكم فعلى و لم يحرز الملاكين، فعلى الاجتماع يحمل كلاهما علي حكم فعلى و يستكشف عن وجود الملاكين، و علي الامتناع يؤخذ بما هو اقوى دلالة و يكون مقيدا للآخر فيكون نتيجته عدم احراز الملاك في الآخر، فتدبر جيدا.
و بالجملة لا بدّ عند ذلك في ترجيح احد الحكمين علي الآخر من مرجح، و قد ذكروا لترجيح النهى وجوها:
منها: أنّه اقوى دلالة لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد بخلاف الامر. و ربما يورد عليه بان دلالته علي العموم و الاستيعاب ظاهر، لكن العموم المستفاد منه انما هو بحسب ما يراد من متعلقه فيختلف سعة و ضيقا، فلا يكاد يدل علي استيعاب جميع الأفراد إلّا اذا اريد منه الطبيعة مطلقة و بلا قيد، و لا يكاد يستظهر ذلك مع عدم دلالته عليه بالخصوص إلّا بالاطلاق و قرينة الحكمة، بحيث لو لم يكن قرينتها بان يكون الاطلاق في غير مقام البيان لم يكد يستفاد استيعاب افراد الطبيعة، فبالأخرة لا يكون دلالة النهى علي استيعاب جميع افراد الطبيعة إلّا بالاطلاق فيشترك مع الامر، و لا وجه لتقدمه عليه.
اقول: لا يخفى ان الألفاظ الدالة علي الاستيعاب و العموم مثل «كل» إذا دخلت علي الألفاظ الموضوعة للطبائع تكون ظاهرة في استيعاب افراد ما كان اللفظ ظاهرا فيه لا افراد ما يراد من المدخول، اذ على هذا كان فائدتها مجرد التأكيد و هو خلاف المتبادر منها، فالظاهر كونها موضوعة للدلالة علي استيعاب معنى مدخولها من غير حاجة حينئذ إلى ملاحظة اطلاق مدخوله و قرينة الحكمة، بل يكفى إرادة ما هو معناه من الطبيعة المهملة و لا بشرط في دلالته علي الاستيعاب.