المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٣٠٨ - ارشاد
و أمّا ما تمسك به بعضهم من قوله: «لا اطاعة من حيث يعصى» فلم نقف عليه بتمامه صدرا و ذيلا، و مجرد ذلك لا يدل علي حكم المقام، لوضوح ان الاطاعة لا تصح من حيث المعصية، فان المعصية من حيث كونها معصية لا تكون اطاعة ابدا [١] نعم رواية «غوالى اللئالى» لا تخلو عن اشعار بالمدعى، و لكنها ضعيفة السند و لم يظهر استناد الاصحاب اليها كما عرفت، و مجرد تطابق الفتوى مع مضمون الرواية لا يكفى في رفع الجبر و خصوصا في المقام، حيث يري ان مستند الجل لو لا الكل في الحكم بالفساد هو استحالة اجتماع الامر و النهى بل قلما اتفق منهم الاستدلال بالنصوص كما هو واضح علي من راجع كلماتهم فراجع و تدبر. و انقدح بما ذكرناه كله ان العبادات الواقعة مع المحرمات المجتمعة معها وجودا تقع علي وجه الصحة، سواء قلنا بجواز الاجتماع أو امتناعه، و سواء كان مع العذر أو بدونه ما لم يدل دليل بالخصوص علي بطلانه، و اللّه العالم بحقائق الامور.
قال المحقق الخراسانى (قدّس سرّه) بعد اختيار البطلان في العالم و اختيار الصحة في الجاهل المعذور و بيان وجوهها الثلاثة ما لفظه: و قد انقدح بذلك الفرق بين ما إذا كان دليل الحرمة و الوجوب متعارضين و قدم دليل الحرمة تخييرا أو ترجيحا حيث لا يكون معه مجال للصحة اصلا، و بين ما اذا كانا من باب الاجتماع و قيل بالامتناع و تقديم جانب الحرمة حيث يقع صحيحا في غير مورد. انتهى موضع الحاجة.
و فيه نظر يظهر وجهه بملاحظة ما قدمناه من ان فرض التعارض لا يتوقف ابدا علي احراز كون الملاك في احدهما بلا تعيين، بل ربما يتحقق التعارض مع فرض احراز الملاكين فيهما معالما، تقدم من ان ملاك التعارض تكاذب الدليلين و تمانعهما في الصدق، و هذا المعنى يتفق تارة عند احراز الملاك في احدهما بلا تعيين و أخرى مع احرازه فيهما معا كما إذا كان الدليلان في مقام اثبات الحكم الفعلى مع القول بالامتناع فإنّه يقع التعارض لا محالة، مع ان الممكن احراز وجود الملاك في كلا المتعلقين في هذا الفرض، فلا بد حينئذ
[١]. اقول: لعل ذلك قول امير المؤمنين (عليه السّلام) في نهج البلاغة «لا اطاعة أو لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق» و هو كما ترى اجنبى عما نحن بصدده فان معناه عدم جواز اطاعة المخلوق حتى لمن وجب اطاعته كالوالدين و الزوج فيما استلزم اطاعته معصية الخالق.