المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٤٧ - الجهة الثالثة في ما وضع له الحروف
و قد قيل في بيان المعنى الحرفي وجوه:
منها: ما في «الكفاية» من أنّه لا فرق بين المعنى الاسميّ و الحرفي في أصل المعنى و جوهره، لا في ناحية الموضوع له و لا في ناحية المستعمل فيه، بل كلمة «من» و لفظ «الابتداء» كلاهما موضوعان لمعنى واحد و مفهوم فارد و هى الماهيّة المهملة الّتي في حدّ نفسها لا مستقلّة و لا غير مستقلّة، بمعنى أنّه لم يجعل لحاظ كون المعنى آلة و حالة للغير جزءا للموضوع له و لا للمستعمل فيه في الحروف، كما أنّه لم يجعل لحاظ الاستقلاليّة جزءا لأحدهما في الأسماء. و قد استدل لعدم كون هذا اللحاظ جزءا لأحدهما في الحروف بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّه لو كان هذا اللحاظ جزءا لأحدهما في الحروف لزم أن يكون الموضوع له أو المستعمل فيه- بناء علي الاحتمالين- من قبيل الكليّ العقليّ و حينئذ لا ينطبق علي الخارجيّات.
الثانى: أنّه لو كان هذا اللحاظ جزءا لأحدهما لزم أن يتعلّق بهذا اللحاظ لحاظ آخر مقوّم للاستعمال، لأنّه لا معنى للاستعمال إلّا لحاظ ما يراد من اللفظ و إلقاء اللفظ بإزائه.
الثالث: انّه اي فرق بين المعنى الاسميّ و الحرفيّ في هذا المقام فكما أنّ أحدا لم يتوهّم أن يكون لحاظ كون المعنى مستقلّا جزءا لأحدهما في الأسماء فليكن كذلك في الحروف.
و حينئذ فلا خصوصيّة للموضوع له و لا للمستعمل فيه في الحروف لا من حيث وجوده ذهنيّا و لا من حيث وجوده خارجيّا، فإنّه كثيرا ما يستعمل في العامّ كقولنا «سر من البصرة إلى الكوفة» أو «أسير ...» ممّا وقع الحرف تلو الأمر أو المضارع، فإنّه لا إشكال في عدم وجوده بعد، و الشيء إنما يتشخّص عند الوجود.
إن قلت: علي هذا لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى و لزم كون مثل كلمة «من» و لفظ «الابتداء» مترادفين صحّ استعمال كلّ منهما في موضع الآخر، و هكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها، و هو باطل بالضرورة كما هو واضح.
قلت: الفرق بينهما إنّما هو في اختصاص كلّ منهما بوضع، حيث إنّه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه، و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره.