المحاضرات - تقريرات - الطاهري الاصفهاني، السيد جلال الدين - الصفحة ٣٤٤ - التنبيه الثانى في ترجيح النهى علي الامر و ما ذكر له من الوجوه
احراز المفسدة و العلم بالحرمة الذاتية كاف في تأثيرها بما لها من المرتبة و لا يتوقف تأثيرها كذلك علي احرازها بمرتبتها، و لذا كان العلم بمجرد حرمة شيء موجبا لتنجز حرمته علي ما هى عليه من المرتبة، و لاستحق المكلف العقوبة الشديدة علي مخالفتها.
و لكن اشكل فيه بانه مع احراز ما يحتمل ان يزاحمها و يمنع عن تأثيرها يكون الفعل كما اذا لم يحرز أنّه ذو مصلحة أو مفسدة، و حينئذ يمكن ان يقال بصحته لو اتى به بداعى الامر المتعلق بما عليه من الطبيعة لأنّه لا يعتبر في العبادة ازيد من اتيان العمل علي وجه القربة كونه مع ذلك راجحا كيف و جل العبادات يمكن ان لا يكون ذاتا راجحات، انتهى ملخص كلامه في الحاشية، و بالتأمل التام في كلامه في المتن و الحاشية. يظهر عدم استقامة شيء منه و ذلك لان القاعدة المذكورة لا يجري فيما احرز غلبة المصلحة علي المفسدة، و ليس مراد من تمسك بها اولوية دفع المفسدة من جلب المصلحة حتى فيما ثبت غلبة المصلحة علي المفسدة، فإنّه لا يظن باحد توهم شمول القاعدة في مثل ذلك المقام بل المراد أنّه كلما احرز كون المصلحة و المفسدة علي حد سواء أو لم يحرز التساوي و لكن يحتمل غلبة المصلحة علي المفسدة و يحتمل ايضا العكس كان دفع المفسدة و ترك الفعل اولى، و وجهه أنّه عند احراز التساوي أو احتمال غلبة كل منهما على الأخرى لا يكون الفعل مأمورا به فلا يمكن اتيانه بداعى القربة، و حيث لا يمكن ذلك يصير محرما لا محالة في التعبديات دون التوصليات. توضيح ذلك ان في التوصليات حيث لا يعتبر فيها قصد الامر و انما يسقط الغرض بمجرد اتيان الفعل علي اي وجه كان، فلا محالة يمكن ايقاع الفعل علي الوجه الّذي كان مشتملا علي المصلحة بهذا الوجه فيمكن جلب المصلحة فيه، فعند ذلك اذا دار الامر بين المصلحة و المفسدة و احرز تساويهما أو احتمل غلبة كل على الأخرى لا يكون الفعل حراما لان فيه مصلحة ممكنة الاستيفاء و ان كان لا يتعين فعله بل يجوز تركه ايضا، لان فيه دفع المفسدة الكامنة في مرتبة المصلحة، و معنى اولوية دفع المفسدة علي هذا التقدير هو ان في فعله تحمل المشقة من دون فائدة، فكانت القاعدة في التوصليات منزلة علي الارشاد إلى عدم لزوم تحمل الكلفة حيث لا فائدة فيه. و أمّا في التعبديات فحيث لا امر و لا ملاك سليما عن المزاحم فلا محالة لا يكون فيه حسن الفعل