الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٢٠ - البداية و النهاية و البدء هو الغاية
صراط الحركة و الإعداد و الاستعداد ينتقل إلى الروح، و يتحد معها أقوى من اتحاده بها في النشأة الأولى؛ لأنه صار لطيفا روحيا، و كان كثيفا ماديا، و لعل في قوله عليه السّلام: فتعود الصور بإذن المصور كهيئاتها و تلج الروح فيها، إيماء إلى ما ذكرنا من أنّ الصور المتعاقبة على البذرة الأولى التي تكون الإنسان منها جنينا، ثمّ رضيعا و شابا و كهلا و شيخا، كلها محفوظة في مبادئها العالية و النفوس الكلية، و يوم الحشر و النشر-و هو يوم الجمع-تعود كهيئاتها و تتصل بالروح الاتصال الذي عبّر عنه الإمام عليه السّلام بقوله: و تلج الروح فيها، فإذن قد استوى، لا ينكر من نفسه شيئا فتجمع كل الصور فيه ماثلة لديه.
و ليس العائد تلك الصور المحسوسة فحسب، بل يعود لك حتى أعمالك و صفاتك و ملكاتك، و كل عمر خير أو شر يعود ماثلا لديك بحقيقته و جوهره، فالنميمة عقرب يلسعك، و السعاية أفعى تلدغك، و الغيبة لحم ميت تأكله، و هكذا كل ما جنت جوارحك، و اقترفته يدك أو لسانك، و مثل ذا كل عمل حسن أو معروف تجده صورة جميلة تؤنسك وَ وَجَدُوا مََا عَمِلُوا حََاضِراً وَ لاََ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [١] ، وَ مََا ظَلَمْنََاهُمْ وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [٢] ، إِنَّمََا تُجْزَوْنَ مََا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٣] ، و لا حذف هنا، و لا تقدير، كما يتخيله بعض المفسرين، بل الجزاء نفس العمل، و في الحديث يقول-جل شأنه-يوم القيامة للعباد: أعمالكم ردت إليكم، و لكن بجوهرها و حقائقها، فكل ما في هذه الدار مجاز، و الحقيقة هناك، و هذا معنى ما سمعته أو تسمعه من تجسم الأعمال، فإن عملك هو
[١] -سورة الكهف، الآية ٤٩.
[٢] -سورة النحل، الآية ١١٨.
[٣] -سورة الطور، الآية ١٦.