الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣١٨ - البداية و النهاية و البدء هو الغاية
بالروح، فيعود إليها كما كان في النشأة الأولى، فالمعاد هو معاد البدن إلى الروح، لا معاد الروح إلى البدن، و هنا تقف الحركة، و ينتهي السير و الإعداد و الاستعداد، و رُدُّوا إِلَى اَللََّهِ مَوْلاََهُمُ اَلْحَقِّ ، وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَ لَهُ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلىََ ، و الأهونية هنا من جهة القابل لا من جهة الفاعل؛ فإنه جل و علا ليس شيء أهون عليه من شيء ؛ إذ الجميع في ظرف قدرته سواء، وَ مََا أَمْرُنََا إِلاََّ وََاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ، و لكن حيث إنّ تراب البدن-كما عرفت- صارت له مع الروح علاقة خاصة اكتسب بها بعض المزايا و امتاز بذلك عن سائر الأتربة، فرجوعه إلى الروح التي له معها تمام الأنس و أقوى العلاقة، بل لا تزال العلاقة ثابتة فضعفت ثمّ تضاعفت أهون من إنشاء الروح من التراب، أي البدن الذي لم تكن لها به أي علاقة سابقا حسبما عرفت من أنّ النفس جسمانية الحدوث، روحانية البقاء.
إذا فما أبعد الفرق بين المقامين، و هل من شك بأنّ النشأة الثانية أهون النشأتين؟
و قوله عليه السّلام: و يعود ترابا، كما منه خلق، لعله يشير إلى ناحية من تلك الجوهرة، يعني يصير ترابا كالتراب الذي خلق منه، و حق المعنى أن يقال: يعود إلى التراب الذي خلق منه، و لكن حيث إنّ التراب الذي خلق منه قد اكتسب من ملابسة الروح في النشأة ملكات و كمالات كانت فيه على نحو الاستعداد فصارت على نحو الفعلية لذا قال-سلام اللّه عليه-: كما منه خلق، أي التراب الذي خلق منه من حيث نوعه، لا من خصوصياته، أو من حيث إنّ طريق نزوله كطريق صعوده، فتدبّره جيدا.
قوله عليه السّلام: و ما تقذف به السباع إلى الآخر، إشارة إلى دفع شبهة الآكل