الفردوس الأعلى - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣١٧ - البداية و النهاية و البدء هو الغاية
أجوافها مما أكلته و مزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، و يعلم عدد الأشياء و وزنها، و أن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطر الأرض مطر النشور، فتربو الأرض، ثمّ تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، و الزبد من اللبن إذا مخض، فيجمع تراب كل قالب إلى قالبه ينتقل بإذن اللّه القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصوّر كهيئاتها، و تلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا. انتهى ما أردنا نقله من هذا الخبر الشريف.
و لو أردنا شرح هذه الكلمات النيرة و تفسير كل جملة منها كما هو حقه اقتضى ذلك تأليف رسالة مستقلة، و لكن نعلق على بعضها إشارة إجمالية تكون مفتاحا لرتاجها، و ذبالة لسراجها.
قوله عليه السّلام: الروح مقيمة في مكانها، و حيث إنها من المجردات، و التجرد فوق الزمان و المكان، أي ليس للمجرد زمان و لا مكان، فلعل المراد من كونها مقيمة في مكانها وقوفها عن الحركة لوصولها إلى الغاية التي تحصلت لها من سيرها إلى الكمال الميسر لها في نشأتها الأولى «و كل ميسر لما خلق له» .
أما انتقالها إلى النشأة الثانية فهي هناك واقفة و مقيمة في مكانها قد خرجت عن عالم الترقي و الإعداد و الاستعداد الذي كان لها بتلك الدار، و نزلت بدار القرار و الاستقرار، بخلاف الجسد الذي بقي في صراط الحركة و دار الإعداد و الاستعداد و التبدل و الانتقال من حال إلى حال، و من صورة إلى أخرى حتى ينتهي إلى الصورة الأخيرة الجامعة لجميع الصور، ذلك يوم الجمع، و هي التي يبلغ البدن بها إلى الغاية التي يكون بها بدنا أخرويا يصلح للاتصال